به جلّ شأنه ، فكانوا إذا اشتغلوا بلوازم البشرية من الأكل والشرب والنكاح وسائر المباحات ، عدّوا ذلك ذنبا وتقصيرا ، كما أنّ الذين يجالسون الملك لو
شرح
علموا أنّ جلّ تكاليفهم بل كلّها انّما خفّف فيها لأجل ضعف الشركاء ، لم يرضوا بأداء تلك التكاليف من أنفسهم ، بل وضعوا أنفسهم مواضع التكاليف التي كانوا أحقّاء بها في ذواتهم ، ثمّ حاولوا أداء ما كان ينبغي أن يكلّفوا به لو لم يضمّوا مع الضعفاء .
ولمّا كانت التفاوت بين عقولهم وعقول الضعفاء بمراتب لا يخفى ، كان تكليفهم الذي يليق بهم فوق هذا التكليف بتلك المراتب . فحينئذ لا يبعد أن يقع منهم تقصير ما في تكاليفهم ، كما تقع منّا تقصيرات كثيرة في تكاليفنا .
ولا يستبعد أيضا أن يحدث ما يقع منهم من التقصير حجابا بين قلوبهم المقدّسة وبين ربّهم ، حتّى يحتاجوا إلى التوبة والاستغفار ، كما يشير اليه قوله « ليغان على قلبي وإني لأستغفر اللّه سبعين مرّة » أي : لرفع هذا الغين كما دلّ عليه السياق .
فظهر أن تماديهم في العجز والاستغفار والنوح والبكاء مع عصمتهم وعدم ارتكابهم معصية حقيقة ، وتقصيرهم فيما كلّف اللّه به أضعف عباده ممّا لا يستبعد ، لأنّهم وإن لم يرتكبوا ما هو معصية حقيقة ، فلعلّهم يرتكبون ما هو بمنزلة المعصية في حقّهم ، وهذا معنى قول الأكابر : حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين .
قوله : عدّوا ذلك ذنبا وتقصيرا .
ذنوبهم غفلتهم عن اللّه ولو بطرفة عين ، والتفاتهم عنه إلى غيره ، وتوبتهم رجوعهم عمّا سواه إليه .