شرح
وتغيير حاله ، وإن لم يرشّحه لتغيير ذاته ، كالنوى الذي جعل فيه قوّة النخل ، وسهّل للانسان سبيلا أن يجعله بعون اللّه نخلا وأن يفسده افسادا .
قال : والخلق من الانسان يجري هذا المجرى في أنّه لا سبيل له إلى تغييره القوّة التي هي السجيّة والغريزة ، وجعل له سبيلا إلى اسلاسها ، ولهذا قال تعالى« وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها »« 1 » ولو لم يكن كذلك لبطلت فائدة المواعظ والوصايا والوعد والوعيد والأمر والنهي .
ولمّا جوّز العقل أن يقال للعبد لم فعلت ؟ ولم تركت ؟ وكيف يكون هذا في الانسان ممتنعا ؟ وقد وجدناه في بعض البهائم ممكنا ، فالوحشيّ قد ينقل بالعادة إلى التأنّس ، والجامح إلى السلاسة ، لكنّ الناس في غرائزهم مختلفون ، فبعضهم جبل جبلّة سريعة القبول ، وبعضهم بطيئة القبول ، وبعضهم في الوسط ، وكلّ لا ينفكّ من أثر قبول وإن قلّ ، ومن هنا ما ورد في الأدعية من طلب التوفيق لمكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال ، وفي الأحاديث من الأمر بها والحثّ عليها .
وقيل : أرى أنّ من منع من تغيير الخلق ، فانّه اعتبر القوّة نفسها ، وهذا صحيح ، فانّ النوى محال أن ينبت الانسان منه تفّاحا ، ومن أجاز تغييره فانّه اعتبر اظهار ما في القوّة إلى الوجود ، وامكان افساده باهماله نحو النوى ، فانّه ان يتفقّد فيجعل نخلا ، وأن يترك مهملا حتّى يفسد ، وهذا أيضا صحيح ، فإذن اختلافهما بحسب اختلاف نظريّهما .
وهذا الدعاء كما ترى صريح الدلالة على امكان تغييره واسلاسه ، ولكن بفضل اللّه وحسن توفيقه ، كما قال اللّه تعالى« فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ »« 2 » واللّه الموفّق والمعين .
هامش
( 1 ) سورة الشمس : 10 .
( 2 ) سورة آل عمران : 159 .