إنّ رجال اللَّه يعيشون دوماً بين حالات الخوف والرجاء ، وبالتالي يدفعهم ذلك إلى البكاء شوقاً وخوفاً ، فكيف بالإمام علي عليه السلام وهو إمام العارفين ومقتدى السالكين في طريق الحقّ والمعنويّة ؟
ثمّ إنّ الإمام عليه السلام يستعرض في العبارات التالية جملة من التشبيهات الأخرى ويقول :
« أَ تَمْتَلِئُ السَّائِمَةُ « 1 » مِنْ رِعْيِهَا « 2 » فَتَبْرُكَ « 3 » ؟ وَتَشْبَعُ الرَّبِيضَةُ « 4 » مِنْ عُشْبِهَا « 5 »
فَتَرْبِضَ ؟ وَيَأْكُلُ عَلِيٌّ مِنْ زَادِهِ فَيَهْجَعَ « 6 » ! قَرَّتْ إِذاً عَيْنُهُ إِذَا اقْتَدَى بَعْدَ السِّنِينَ
الْمُتَطَاوِلَةِ بِالْبَهِيمَةِ الْهَامِلَةِ « 7 » ، وَالسَّائِمَةِ الْمَرْعِيَّةِ « 8 » ! » .
وبالرغم من أنّ الإمام عليه السلام في هذه العبارات يتحدّث عنه نفسه ، ولكن كلامه في الواقع درس لأبناء الدنيا الذين لا همّ لهم في الحياة سوى التمتع بالملذات الرخيصة ، فهم يشبهون الأغنام والدواب التي لا تهتم إلّاللأكل والعلف والنوم والراحة ، فما أقبح بالإنسان أن يهبط من أوج عظمة الإنسانيّة ويدرج نفسه مع الحيوانات وينزل بمستواه إلى مصاف الدواب السائمة في المراتع ، وكما يقول الشاعر :
أتَعمى عَنِ الدُّنيا وَأنتَ بَصيرُ * وَتَجهلُ ما فِيها وَأنتَ خَبيرُ
وتُصبِحُ تبنِيها كَأَنَّكَ خَالِدُ * وَأنتَ غَداً عَمّا بَنيتَ تَسيرُ
وَترفَعُ فِي الدُّنيا بناءَ مُفاخِرِ * وَمَثواكَ بيتُ فِي القُبُورِ صَغيرُ
وَدُونَكَ فاصنَعْ كُلَّما أنتَ صانِعُ * فإنَّ بُيُوتَ الميتِينَ قُبُورُ « 9 »
هامش
( 1 ) . « السائمة » الحيوان الذي يترك ليرعى في الصحراء ، من مادة « سوم » على وزن « قوم » .
( 2 ) . « رعيها » تعني العلف الذي يأكله الحيوان اثنا الرعي ، من مادة « رعى » على وزن « وحى » .
( 3 ) . « تبرك » من مادة « بُروك » بمعنى الاستقرار والهدوء على الأرض .
( 4 ) . « الربيضة » قطيع الغنم وأمثال ذلك عندما يعود مع الراعي إلى محل استقراره أي الحضيرة . من مادة « ربض » و « ربوض » على وزن « قبض » و « قبوض » أي جمع الحيوان ليده ورجله للجلوس على الأرض .
( 5 ) . « عشب » النباتات الرطبة في مقابل الحشيش وهو النباتات الجافة .
( 6 ) . « يهجع » من مادة « هجوع » على وزن « ركوع » بمعنى النوم الخفيف .
( 7 ) . « الهاملة » الحيوان المتروك من مادة « همل » على وزن « حمل » بمعنى ترك الحيوان بدون راعي .
( 8 ) . « المرعية » اسم مفعول من مادة « رعى » على وزن « سعى » وهو الحيوان الذي يساق للمرعى .
( 9 ) . مجاني الأدب ، ج 2 ، ص 37 .