مُقْلَتِي « 1 » كَعَيْنِ مَاءٍ ، نَضَبَ « 2 » مَعِينُهَا « 3 » ، مُسْتَفْرِغَةً دُمُوعَهَا » .
في المرحلة الأولى يقسم الإمام عليه السلام ليبيّن جديّة هذا الأمر وللتأكيد على أهميّته وفي المرحلة الثانية ، يقول إن شاء مراعاة للأدب مع اللَّه تعالى كما أمر القرآن النّبي الأكرم صلى الله عليه وآله بهذا الأمر ، تقول الآية الشريفة : « وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّى فاعِلٌ ذلِكَ غَداً * إِلّا أَنْ يَشاءَ اللَّه » « 4 » .
وفي المرحلة الثالثة : يتحدّث الإمام عليه السلام عن عزمه الراسخ على ترويض نفسه رياضة شديدة وقاسية ، وهذا يحكي عن قوّة إرادة الإمام وسلطته العجيبة على نفسه ، فما أشق الرياضة التي يفرضها الإنسان على نفسه بحيث تتحمل الجوع الشديد ، وبالتالي تفرح فرحاً شديد إذا قدّم لها يوماً قرصاً من الخبز وقليلًا من الملح .
وفي المرحلة الرابعة : يخبرنا الإمام عليه السلام عمّا يعيشه من عشق للَّهتعالى وخوف عميق من الذات المقدّسة بحيث إنّه يتواصل في البكاء إلى أن لا تنضب عينه من الدموع
« وَلَأَدَعَنَّ مُقْلَتِي كَعَيْنِ مَاءٍ ، نَضَبَ مَعِينُهَا مُسْتَفْرِغَةً دُمُوعَهَا »
، ومعلوم أنّ مثل هذه الحالة لا تتوفر عند أي شخص إلّاالنوادر ، والإمام عليه السلام نفسه يشير إلى هذه الحقيقة في مقطع آخر من هذه الرسالة ، بأنّكم لا تستطيعون أن تفرضوا على أنفسكم مثل هذه الرياضات الشاقة ولكن أعينوني بالورع والتقوى والصلاح في حركة الحياة .
وهنا ربّما يثار هذا السؤال : لماذا كلّ هذا البكاء الذي أشار إليه الإمام عليه السلام في كلامه ؟ قطعاً إنّ هذا البكاء هو بكاء الشوق من جهة ، وبكاء الخوف من جهة أخرى ، الشوق إلى العالم الأعلى والملكوت والقرب من اللَّه تعالى والعشق لصفات الكمال والجمال الإلهي ، والخوف من حرمان هذه لنعم والمواهب الإلهيّة .
هامش
( 1 ) . « مقلة » يطلق على كرة العين بأجمعها ، وأحياناً يراد منها سواد العين فقط .
( 2 ) . « نضب » من مادة « نضوب » في الأصل بمعنى ذهاب الماء في الأرض وجفاف البئر أو الغدير ، وهذه المفردة تستعمل أحياناً في مورد العين أيضاً عندما يجف دمعها .
( 3 ) . « معين » من مادة « معن » على وزن « طعن » بمعنى جريات الماء و « ماء معين » يراد منها الماء الجاري ، ثمّ استخدمت في جريان الدموع من العيون .
( 4 ) . سورة الكهف ، الآيتان 23 و 24 .