التاسعة : « وَالصَّاحِبُ مُنَاسِبٌ « 1 » » . أي حاله حال أقرباء الإنسان وأرحامه .
وهذا إشارة إلى أنّ رابطة الصداقة تارة تكون قوية إلى درجة أنّها تحلّ محلّ رابطة القرابة والنسب ، بل تارة تكون أقوى من ذلك ، وهناك مثل معروف يقول أنّه سئل شخص : أيّهما أفضل الصديق أم الأخ ؟ فقال : الأخ الصديق أفضل ، وهناك مثل معروف أيضاً لدى العرب حيث يقال : « الصَّديقُ نَسيبُ الرُّوحِ وَالْأَخُ نَسيبُ الْبَدَنِ » « 2 » .
وقد نستوحي من هذا الكلام هذه النتيجة ، وهي أنّ ذات الحقوق المقرّرة للأرحام والأقرباء ينبغي أخذها بنظر الاعتبار من الأصدقاء الجيّدين أيضاً .
العاشرة : يقول : « وَالصَّدِيقُ مَنْ صَدَقَ غَيْبُهُ » .
وهو إشارة إلى الأشخاص الذين يظهرون المحبّة والعشق والعلاقة في حضور المرء ، ولكن ربّما لا يكون ذلك علامة حقيقية على صدقهم وصداقتهم ، فالصديق الواقعي إنّما يتبيّن في غياب صديقه ويراعي حقوقه في غيبته كما في حال حضوره ويتحدّث عنه في غيبته كما يتحدّث أمامه .
الحادية عشر : يشير الإمام عليه السلام في هذه التوصية إلى نقطة مهمّة أخرى ويقول :
« وَالْهَوَى شَرِيكُ الْعَمَى » ، فكما أنّ الأعمى لا يرى ما حوله من الأجسام حتّى لو كانت قربية منه ومجاورة له ، فإنّ اتّباع الدنيا والسالكين في خطّ الأهواء محرومون من الحقائق الجليّة ، لأنّ حجاب الهوى يعتبر أشدّ الحجب ظلاماً ولا توجد آفة للمعرفة أضرّ وأسوء من هذه الآفة .
يقول القرآن الكريم : « أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْديهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ » « 3 » .
هامش
( 1 ) . « مناسب » من مادة « نسب » وجاءت هنا بمعنى الأقرباء .
( 2 ) . شرح نهجالبلاغة لابن أبيالحديد ، ج 16 ، ص 117 .
( 3 ) . سورة الجاثية ، الآية 23 .