والأخرى ، أن يجّهز الإنسان نفسه بقوّة اليقين ، وعلى حدّ تعبير القرآن الكريم يقول : « قُلْ لَّنْ يُصيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا » « 1 » ، ومعلوم أنّ التقديرات الإلهيّة تنطلق من موقع الحكمة والتدبير الإلهي ، سواء علمنا بهذه الحقيقة أم لم نعلم ، وبالتالي نستطيع بهاتين القوّتين التصدّي لواردات الهموم وتسكين خلجات النفس وترطيب أجواء الحياة .
ينقل المرحوم مغنية في شرحه لنهج البلاغة قصة مفيدة ويقول : ومن جملة ما قرأت أنّ رجلًا أحس بضعف وانحراف في صحّته ، ولمّا عرض نفسه على الطبيب قال له أنّه مريض بسرطان الدم ، وأنّه يموت بعد مدة قصيرة ، فلم ينزعج وتحدّى المرض ، وقال في نفسه : لا فرق بين أن أموت فجأة أو بإنذار سابق ، ومضى في عمله كأن لم يكن شيء ، استمرّ فيه حتى الآن ، ولو أنّه استسلم للوساوس لخارت قواه وأمسى طريح الفراش ينتظر الموت في كلّ لحظة ، ومعنى هذا أنّه يموت في اليوم مرّات ، ولمّا قيل له : كيف تعمل وأنت على هذه الحال ؟ قال : اجرّب الحكمة القائلة : خير الدواء العمل « 2 » .
ويقول لقمان الحكيم أيضاً في مواعظه الجميلة لولده : « وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ » « 3 » .
الثامنة : يقول : « مَنْ تَرَكَ الْقَصْدَ جَارَ » .
وهذا يعني أنّ إحراز السلامة في الدين والدنيا يمرّ من خلال الاعتدال ، وأنّ كلّ إسراف وتفريط يقود الإنسان إلى دروب الضلالة والشقاء والإخفاق ، وأنّ الصراط المستقيم الذي ندعو اللَّه تعالى كلّ يوم في صلاتنا أن يهدينا إليه ، هو صراط الاعتدال والاستقامة .
هامش
( 1 ) . سورة التوبة ، الآية 51 .
( 2 ) . شرح نهجالبلاغة للشيخ مغنية ، ج 3 ، ص 526 .
( 3 ) . سورة لقمان ، الآية 17 .