أكثر من المدّة المقدرّة ، ولكن بحسب عالم الأسباب والمسبّبات فإنّ هذا التصوّر مجرّد خيال باطل ، والتأسّف عليه مثل تأسّف الشخص الذي رأى في منامه أنّه يملك مالًا ومقاماً وعندما يستيقظ فإنّه يجزع على ما ذهب من يده في منامه .
الخامسة : يشير الإمام عليه السلام في هذه التوصية إلى نقطة مهمة أخرى ويقول :
« اسْتَدِلَّ عَلَى مَا لَمْ يَكُنْ بِمَا قَدْ كَانَ ، فَإِنَّ الْأُمُورَ أَشْبَاهٌ » .
وهذا يعني وجود سلسلة من القوانين الكلية الحاكمة على عالم الوجود وعلى المجتمعات البشرية ، ولها في كلّ زمانٍ مصاديق في أرض الواقع ، ولكن كلّ هذه المصاديق والموارد مشمولة لتلك القوانين الكلية ، وعليه فالإنسان بإمكانه - من خلال مطالعة حالات القدماء والمجتمعات الماضية بل وحتّى مراجعة ما واجهه من حوادث ومتغيّرات في سنوات عمره الماضية - أن يتعرّف على المسائل التي تواجهه في الحاضر والمستقبل من خلال المقارنة ، لئلّا يتورّط بعناصر الخطأ والضرر والخسران .
وهذا الكلام يشبه ما ورد عن الإمام عليه السلام في خطبة أخرى حيث قال : « عِبَادَ اللَّهِ إِنَّ الدَّهْرَ يَجْرِي بِالْبَاقِينَ كَجَرْيِهِ بِالْمَاضِين » « 1 » ، وهذا الكلام متداول في تعبيراتنا اليوميّة حينما نقول : التاريخ يعيد نفسه .
وفي ذيل الخطبة يتحدّث الإمام عليه السلام عن كيفية تكرار التاريخ ، وقد تحدّثنا في شرحها تحت ستّة عناوين : الزوال السريع للنعم ، عدم ثبات الحوادث في العالم ، عدم وفاء الدنيا وأهلها ، الغرور والإخفاقات الناشئة عنه ، تغيّر الحالات والروحيات لدى الأفراد بحيث إنّ أقرب المقرّبين ربّما يتحوّل إلى أخطر الأعداء ، وأخيراً أنّ الذي يبقى ويعدّ ذكرى جميلة للإنسان في هذا العالم ، أشكال الإحسان والمحبّة والإخلاص ، وما يؤدّي إلى اللعن ويسبّب السمعة السيئة للإنسان هو الظلم والجور وسلب الحقوق .
هامش
( 1 ) . نهجالبلاغة ، الخطبة 157 .