تشير إلى الأشخاص الذين يعيشون الحقد والعناد ، وأنّ الاحسان إليهم في مقابل إساءتهم قد تتسبّب في زيادة جرأتهم وعدوانهم ، فيكون الإحسان إليهم كالإحسان إلى الذئب ، ولكنّ الجملة الأولى ناظرة إلى الأشخاص الذين لا يعيشون مثل هذه الحالة ، ولكن ربّما يقودهم الإحسان إليهم في مقابل إساءتهم أن يتصوَّروا خطأً أنّهم أخيار وأنّ عملهم جيّد وليس فيه إشكال .
والتعبير ب « احْمِلْ » في بداية هذه التوصية إشارة إلى أنّ عملية الإحسان في مقابل الإساءة وإن كانت صعبة على الإنسان ، ولكن ينبغي عليه أن يتحمّل ذلك ويحمل هذه القضية على نفسه .
ويقول الإمام عليه السلام في التوصية الثانية : « لَا تَتَّخِذَنَّ عَدُوَّ صَدِيقِكَ صَدِيقاً فَتُعَادِيَ صَدِيقَكَ » .
فهذا العمل يعدّ من جملة النفاق ، حيث يطرح الإنسان المودّة مع صديقه ومع عدوّ صديقه أيضاً ، فهذا هو أسلوب الأشخاص الذين لا يعيشون واقع الصداقة وحقيقة المودّة ، وغرضهم من ذلك الانتفاع والمصلحة الشخصية من كلا الطرفين ، فلا يمتنعون في هذا السبيل من الوقوع في مثل هذا التناقض والسلوك والعواطف .
وطبعاً هذا في مورد تكون عداوة العدوّ ناشئة من ظلمه وعدوانه ، لا أنّ الصديق مقصّر وقد ارتكب إساءة في حقّه بحيث أدّى ذلك إلى معاداته .
وكذلك يصدق هذا الكلام في مورد لا يكون الغرض من إقامة علاقة مع عدوّ الصديق إصلاح ذات البين ، فإن كان المقصود من المودّة معه إصلاح ذات البين فإنّه ليس فقط عمل غير ذميم بل عمل إنساني ممدوح .
وممّا يجدر ذكره أنّ توصية الإمام عليه السلام في هذا الباب لا تتناول الأشخاص فقط ، بل تشمل الفئات والشعوب والدول أيضاً ، رغم أنّ الكثير من الدول في العالم المعاصر يطرحون المودّة والصداقة مع كلا طرفي النزاع دون أن يقصدوا من ذلك المصالحة بينهما ، بل هدفهم من ذلك استغلال هاتين الدولتين المتخاصمتين لضمان
نفحات الولاية — صفحة 565
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٥٦٥