اللَّطَفِ « 1 » وَالْمُقَارَبَةِ ، وَعِنْدَ جُمُودِهِ « 2 » عَلَى الْبَذْلِ ، وَعِنْدَ تَبَاعُدِهِ عَلَى الدُّنُوِّ ، وَعِنْدَ شِدَّتِهِ عَلَى اللِّينِ ، وَعِنْدَ جُرْمِهِ عَلَى الْعُذْرِ ، حَتَّى كَأَنَّكَ لَهُ عَبْدٌ ، وَكَأَنَّهُ ذُو نِعْمَةٍ عَلَيْكَ » .
في هذه التوصية يحذّر الإمام عليه السلام ولده من الردّ بالمثل فيما يواجهه من نفور ولامبالاة من أصدقائه ، وضمناً يوصيه بستّ جمل بليغة تتضمّن بلاغة الجناس ، بأنّ الردّ بالمثل من شأنه أن يهدّد أساس المودّة والصداقة بين الأصدقاء ، فيفقد المرء صديقه بسبب ذلك ، ولكن كلّما تعامل مع الإساءة بالإحسان ومع اللامبالاة بالمودّة ، فسوف يدرك صديقه خطأه ويخجل من نفسه ويتحرّك على مستوى جبر الخلل وتقوية وترسيخ دعائم المحبّة والمودّة أكثر فأكثر .
والعبارات التي يستخدمها الإمام عليه السلام في هذه الفقرات تمثّل في الحقيقة شرحاً لما ورد في القرآن الكريم في قوله : « ادْفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَميمٌ * وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظيمٍ » « 3 » .
ورغم أنّ هذه الآية نزلت في مورد الأعداء ، ولكن ممّا لا شك فيه أنّها صادقة على الأصدقاء أيضاً ، فسيرة النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وأئمّة الهدى عليهم السلام وعلماء الدين الكبار تشير إلى هذه الحقيقة أيضاً إلّافي موارد استثنائية ، وأنّهم كانوا لا يواجهون العدوان والإساءة من الأصدقاء والأعداء بالمثل ، إلّافي موارد خاصّة ونادرة .
وبما أنّ بعض السذّج وذوي الفكر الضيّق ربّما يسيئون هذا السلوك الإنساني معهم ، فالإمام عليه السلام استثنى هذه الفئة من هذه القاعدة وقال : « وَإِيَّاكَ أَنْ تَضَعَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ ، أَوْ أَنْ تَفْعَلَهُ بِغَيْرِ أَهْلِهِ » .
والفرق بين جملة « وَإِيَّاكَ أَنْ تَضَعَ . . . » وجملة « أَوْ أَنْ تَفْعَلَهُ . . . » أنّ الجملة الثانية
هامش
( 1 ) . « اللَّطَف » على وزن « شرف » وفي بعض النسخ على وزن « قفل » وتعني إظهار المحبّة والإحسان إلى الطرفالمقابل .
( 2 ) . « جمود » وتعني في هذه العبارة البخل ، في مقابل البذل والعطاء .
( 3 ) . سورة فصلت ، الآيتان 34 و 35 .