تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 544

مساهمون:

ص٥٤٤
والعسر ؟ ومن الواضح أنّ نتيجة كلا التفسيرين واحد رغم تفاوت البيان وصياغة البلاغة . ويشبه هذا المعنى ما ورد في كلمات الإمام عليه السلام القصار ، حيث يقول : « مَا خَيْرٌ بِخَيْرٍ بَعْدَهُ النَّارُ وَمَا شَرٌّ بِشَرٍّ بَعْدَهُ الْجَنَّةُ » « 1 » . ويستطرد الإمام عليه السلام في بيان وصيته ويخاطب ولده في خامس توصية من هذه التوصيات : « وَإِيَّاكَ أَنْ تُوجِفَ « 2 » بِكَ مَطَايَا الطَّمَعِ ، فَتُورِدَكَ مَنَاهِلَ « 3 » الْهَلَكَةِ » . وهنا يشبّه الإمام عليه السلام موارد الطمع بمنزلة المطايا والدوابّ الجامحة والمتمرّدة التي إذا ركبها الإنسان فسوف يفقد زمامه واختياره وربّما تقوده إلى وادي الهلكة ، والتعبير « مَناهِلَ الْهَلَكَةِ » فيه إشارة لطيفة إلى هذه الحقيقة ، وهي أنّ الإنسان يتوجّه لمنبع الماء لإرواء عطشه ، ولكنّ المنبع الذي تقوده إليه مطايا الطمع ليس فقط لا يروي عطشه منها ، بل لا يوجد ماء أساساً وتوجد بدله موارد الهلكة . وقد جرّبنا في حياتنا مرات عديدة هذا ، والتاريخ بدوره يشهد على صحة هذا الكلام وهو أنّ الأشخاص الذين يعيشون حالات الطمع يواجهون الفشل والإخفاق في حياتهم ، لأنّ الطمع يعمي عين الإنسان عن رؤية الحقيقة ويصمّ اذنه عن سماع النصحية ، ولا يسمح بتشخيص الطريق القويم من المتاهة ، ومحلّ النجاة من الهاوية ، بل يمكن القول إنّ أغلب الأشخاص الذين يشتغلون في الشأن التجاري وأمثال ذلك ، والذين يواجهون الإخفاق والإفلاس في نهاية المطاف فالسبب في ذلك يعود إلى حالة الطمع والجشع فيهم . ويشبه هذا المعنى ما ورد الحديث الشريف عن الإمام الصادق عليه السلام المذكور في كتاب بحار الأنوار حيث يقول : « الطَّمَعُ خَمْرُ الشَّيْطَانِ يَسْتَقِي بِيَدِهِ لِخَوَاصِّهِ فَمَنْ
هامش
( 1 ) . نهج‌البلاغة ، الكلمات القصار ، 387 . ( 2 ) . « تُوجِفُ » من « الإيجاف » وتعني السير بسرعة ، وهي في الأصل من « وَجْف » على وزن « حذف » وتعني الحركة السريعة ، وبما أنّ هذه الكلمة وردت في العبارة أعلاه متعدية بالباء فتعني الحث على سرعة المسير . ( 3 ) . « مَناهل » جمع « مَنْهل » وهو منبع الماء .