يهين نفسه ويحقّق رغباته عن الشخصية أو يتنازل عن طموحاته المعنوية لحساب الميول المادية والدنيوية .
وكما قال الشاعر :
مَا اعْتاضَ باذِلٌ وَجْهِهُ بِسُؤالِهِ * عِوَضاً وَلَوْ نالَ الْغِنى بِسُؤالِ
وَإِذَا النَّوالُ إِلَى السُؤالِ قَرَنْتَهُ * رَجَحَ السؤالُ وَخَفّ كُلُّ نَوالٍ
وهذا يعني أنّ الإنسان إنّما يريد المال لحفظ حيثيته وسمعته ، ولكن لا ينبغي أن ينفق من حيثيته وماء وجهه لكسب المال ، ولا يجدر بالإنسان أن يلهث وراء الأمور الماديّة على حساب اهتزاز شخصيته وسمعته .
ويواصل الإمام عليه السلام توصياته لولده ويقول في التوصية الثالثة ، ويقول : « وَلَا تَكُنْ عَبْدَ غَيْرِكَ وَقَدْ جَعَلَكَ اللَّهُ حُرّاً » .
وهذه العبارة من أهمّ وأروع وصايا الإمام عليه السلام التي ينبغي أن تكتب بماء الذهب وتجعل نصب العين دائماً ، أجل إنّ اللَّه تعالى خلق الإنسان حرّاً ولا ينبغي أن يستبدل هذه الحرية بأيّ أثمان ماديّة ، بل أحياناً ينبغي أن يعيش الإنسان بإمكانات محدودة ويقنع بالمعاناة والمشقّة حفظاً لماء الوجه ولا يذلّ نفسه ويخضع لمشيئة الآخرين ويتعامل معهم من موقع الخنوع .
وهذا الكلام صادق بالنسبة للأفراد والشعوب كذلك ، فما أكثر الشعوب والأقوام الضعيفة والمتخلّفة المستعدّة لبذل حريتها وكرامتها من أجل عوض زهيد ، والمستكبرون وقوى الاستعمار يعرفون نقطة الضعف هذه في الشعوب المتخلفة ويعملون على تكريس واقعها المتخلّف للاستيلاء على ثرواتها واستعبادها ، بل إنّهم يتحرّكون على مستوى فرض ثقافتهم الخاطئة على هذه الشعوب مقابل بعض المساعدات الاقتصادية الزهيدة ، وأحياناً يسلبون منهم دينهم وإيمانهم .
ولكنّ الأشخاص الذين يعيشون قوّة الشخصية ، والشعوب الحرّة يرجّحون الموت على حياة العبودية والذلّة .