أحسنُ بالإنسانِ مِن ذلّةٍ * وَمِن سُؤالِ الأوجهِ الكالحة
فاستغنِ باللَّه تكن ذا غنىً * مغتبطاً بالصفقة الرّابحة « 1 »
ويقول الآخر :
لا تَبخَلَنّ بِدُنيا وَهي مُقبِلةٌ * فَلَيسَ يَنقُصها التَّبذِيرُ والسَّرفُ
وَإن تَوَلّتْ فَأحرى أن تَجودَ بِها * فَالحمدُ مِنها إذا مَا أدبَرتْ خَلفُ « 2 »
وقوله : « فَلَيْسَ كُلُّ طَالِبٍ . . . وَلَا كُلُّ مُجْمِلٍ . . . » في الواقع بمثابة الدليل على ما ورد في العبارات السابقة في لزوم رعاية الاعتدال في طلب الرزق وتشير إلى هذه الحقيقة ، وهي أنّ السعي الحثيث لا يعني دوماً زيادة الرزق ، ولا أنّ رعاية الاعتدال والتأنيّ قلّة الرزق ، بل إنّ اللطف الإلهي يقرّر أنّ من توكّل على اللَّه وترك الحرص والطمع وسعى في طلب الرزق بشكل معتدل ، فإنّه سيعيش حياة أفضل مقترنة بالسكينة والاستقرار أكثر ، ومثل هؤلاء يفتحون المجال للآخرين ليتحرّكوا في طلب الرزق ولا يتعاملون مع الناس من موقع الإقصاء والتهميش أو يضيّقون الخناق عليهم في هذا السبيبل .
ويتحدّث الإمام عليه السلام في التوصية الثانية ويقول : « وَأَكْرِمْ نَفْسَكَ عَنْ كُلِّ دَنِيَّةٍ « 3 » وَإِنْ سَاقَتْكَ إِلَى الرَّغَائِبِ « 4 » ، فَإِنَّكَ لَنْ تَعْتَاضَ « 5 » بِمَا تَبْذُلُ مِنْ نَفْسِكَ عِوَضاً » .
وهذا إشارة إلى أنّ بعض الرغبات والذنوب النفسانية تتطلّب أحياناً تنازل الإنسان عن كرامته وشخصيّته ، فالجدير بالإنسان الذي يعيش الكرامة والحرية أن لا يخضع لمثل هذه الرغبات ، ولا يرد نفسه في هذا المسير ، فلا ينبغي للإنسان أن
هامش
( 1 ) . شرح نهجالبلاغة ، ج 18 ، ص 213 ، والقائل هو بشر بن الحرث المعروف ب ( بشر الحافي ) انظر : الكنى والألقاب ، ج 2 ، ص 169 .
( 2 ) . معجم كنوز الأمثال والحكم العربية ، ص 62 .
( 3 ) . « دَنيّة » الشيء الحقير والوضيع ، من مادة « الدناءة » بمعنى الوضاعة .
( 4 ) . « رغائب » جمع « رغيبة » وتعني الشيء المطلوب والمرغوب .
( 5 ) . « تعتاض » من « الإعتياض » وتعني أخذ العوض عن شيء وفي الأصل من « عوض » .