وهذه التوصية في الحقيقة من نتائج ولوازم التوصية السابقة التي يقول فيها الإمام عليه السلام : « وَأَكْرِمْ نَفْسَكَ عَنْ كُلِّ دَنِيَّةٍ . . . » .
وأحد المصاديق البارزة لهذا الموضوع هو ما تجلّى في نهضة الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه في كربلاء حيث قال الإمام الحسين عليه السلام في هذه الواقعة التاريخية الهامة « ألا وَإنَّ الدعيَّ بْنَ الدَّعي قَدْ رَكَز بَيْنَ اثْنَتَيْنِ بَيْنَ السِلّةِ وَالذِّلَّةِ وَهَيْهاتَ مِنَّا الذِّلَّةِ » « 1 » .
ويطرح الإمام الصادق عليه السلام هذا المضمون بكامل أبعاده وجهاته ويبيّن أنّ الشخصية الحرّة ينبغي أن تتوفّر فيها خمس خصال قال : « خَمْسُ خِصَالٍ مَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْهَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ كَثِيرُ مُسْتَمْتَعٍ : أَوَّلُهَا الْوَفَاءُ وَالثَّانِيَةُ التَّدْبِيرُ وَالثَّالِثَةُ الْحَيَاءُ وَالرَّابِعَةُ حُسْنُ الْخُلُقِ وَالْخَامِسَةُ وَهِيَ تَجْمَعُ هَذِهِ الْخِصَالَ الْحُرِّيَّة » « 2 » .
وفي التوصية الرابعة يقول الإمام عليه السلام : « وَمَا خَيْرُ خَيْرٍ لَايُنَالُ إِلَّا بِشَرٍّ ، وَيُسْرٍ لَا يُنَالُ إِلَّا بِعُسْرٍ » .
وهذا يعني أنّ البعض ومن أجل التوصّل إلى غايتهم ومقصودهم يستخدمون كلّ وسيلة تتيح لهم ذلك وتيسّر لهم تحقيق مطلبهم ، في حين أنّ تعاليم الإسلام تقرّر أنّ التوصّل إلى الغايات والأهداف لابدّ أن يكون من طريق مشروع وصحيح ، وببيان آخر ، ( الغاية لا تبرّر الوسيلة ) وكذلك لا ينبغي لغرض تحصيل السعادة والراحة التوجّه إلى المقدّمات والوسائل التي تضيق الخناق على الإنسان وتجعله يعيش الضغوط النفسية والمالية .
وقد فسّرنا العبارة أعلاه بشكل جملة خبرية ، ولكن البعض فسّرها بصيغة الجملة الاستفهاميّة ، وطبقاً لهذا التفسير سيكون معنى العبارة : ماذا ينفع ذلك الخير الذي لا يحصل عليه الإنسان إلّابطريق الشرّ ؟ وماذا تنفع الراحة التي تتأتّى بطريق المعاناة
هامش
( 1 ) . اللهوف ، ص 97 ؛ بحار الأنوار ، ج 45 ، ص 8 .
( 2 ) . الخصال ، ج 1 ، ص 284 ، ح 33 .