الإمام عليه السلام في هذا الكلام يرى أنّ شخصية الإنسان تتعرّض بالسؤال والطلب من الآخرين إلى الخلل والاهتزاز ، وعادة ما يقترن السؤال مع الذلّة أو المنّة .
والشاهد على هذا الكلام ما ورد في الحديث الشريف عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه :
« قَالَ يَوْماً رَجُلٌ عِنْدَهُ : اللَّهُمَّ أَغْنِنَا عَنْ جَمِيعِ خَلْقِكَ . فَقَالَ : أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام : لَاتَقُلْ هَكَذَا ، وَلَكِنْ قُل : اللَّهُمَّ أَغْنِنَا عَنْ شِرَارِ خَلْقِكَ ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ لَايَسْتَغْنِي عَنْ أَخِيهِ » « 1 » .
ونقرأ في حديث آخر عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال لولده الإمام الحسن :
« يَا بُنَيَّ إِذَا نَزَلَ بِكَ كَلَبُ الزَّمَانِ وَقَحْطُ الدَّهْرِ فَعَلَيْكَ بِذَوِي الْأُصُولِ الثَّابِتَةِ وَالْفُرُوعِ النَّابِتَةِ مِنْ أَهْلِ الرَّحْمَةِ وَالْإِيثَارِ وَالشَّفَقَةِ ، فَإِنَّهُمْ أَقْضَى لِلْحَاجَاتِ وَأَمْضَى لِدَفْعِ الْمُلِمَّات » « 2 » .
وببيان آخر أنّ الإنسان كثيراً ما يكون قادراً على أداء عمل معينّ ولكن بسبب الكسل وطلب الراحة فإنّه يطلب المعونة من الآخرين ويضع كَلّه عليهم ، وهذا العمل مذموم وقبيح ، ولكن في بعض الموارد لا يتيسّر العمل ونيل المقصود إلّابآلية التعاون والتكاتف ، ففي مثل هذه الموارد لا إشكال في طلب المساعدة من الآخرين ، لأنّ حياة الإنسان مقترنة دوماً بعنصر التعاون في حركة المجتمع .
وجملة : « وَإنْ كانَ كُلٌّ مِنْهُ » في الحقيقة إشارة إلى التوحيد الأفعالي للذات المقدّسة وأنّه على فرض أن يطلب الإنسان المعونة والمساعدة من الآخرين ( فيما لا ينبغي طلب المعونة فيه ) ثمّ يمدّون له يد العون ، فلو دقّقنا النظر في هذا المورد أيضاً لرأينا أنّه حتّى هذا المورد من قِبل اللَّه تعالى ، لأنّ الإنسان لا يملك شيئاً في واقعه حتى يعطيه لغيره ، فما يملك فهو من اللَّه تعالى وما حصل عليه فإنّه قد اكتسبه بإذن اللَّه وبما أودع اللَّه فيه من قوّة وقدرة .
يقول المرحوم مغنية في شرح نهجالبلاغة ذيل هذه التوصية لأمير المؤمنين عليه السلام
هامش
( 1 ) . بحار الأنوار ، ج 75 ، ص 172 ، ح 5 .
( 2 ) . المصدر السابق ، ج 93 ، ص 159 ، ح 38 .