يتصارعون فيما بينهم على جيفة الدنيا ، ويسحق الأقوياء منهم حقوق الضعفاء ، ويتحرّك الكبار في إزاحة الصغار من طريقهم .
أمّا الطائفة الثالثة ، فهم جماعة لا يملكون شيئاً من النفوذ والقدرة ، ولكن نراهم لا يمتنعون من أية ذلّة من أجل تحقيق متاع الدنيا ، فيتعاملون مع أصحاب النفوذ والمستكبرين من موقع العبودية والخنوع والخضوع .
الطائفة الرابعة تعيش كالحيوانات المتمرّدة والمتوحّشة التي تعيش في البراري والقفار ، وعلى حدّ تعبير الإمام عليه السلام في كلامه : « قَدْ أَضَلَّتْ عُقُولَهَا ، وَرَكِبَتْ مَجْهُولَهَا سُرُوحُ « 1 » عَاهَةٍ « 2 » بِوَادٍ وَعْثٍ « 3 » » .
ثمّ يضيف : « لَيْسَ لَهَا رَاعٍ يُقِيمُهَا ، وَلَا مُسِيمٌ « 4 » يُسِيمُهَا ، سَلَكَتْ بِهِمُ الدُّنْيَا طَرِيقَ الْعَمَى ، وَأَخَذَتْ بِأَبْصَارِهِمْ عَنْ مَنَارِ الْهُدَى فَتَاهُوا « 5 » فِي حَيْرَتِهَا ، وَغَرِقُوا فِي نِعْمَتِهَا ، اتَّخَذُوهَا رَبّاً ، فَلَعِبَتْ بِهِمْ وَلَعِبُوا بِهَا ، وَنَسُوا مَا وَرَاءَهَا » .
هؤلاء هم الفئة التي تعيش في كلّ زمان بخاصّة في عالمنا المعاصر ، حيث تتّخذ من العالم ميداناً لجولاتها وتتحرّك في كلّ مكان على مستوى الإفساد والتخريب ، ويعيشون حالة الشغف اللامحدود بالمال والثروة والجاه والمقام ، قد أعموا عيونهم عن رؤية الحقائق ، وأصمّوا آذانهم عن سماعهم كلمة الحقّ وغرقوا في النعم المادية من الذهب والثروات والمجوهرات والدرهم والدينار ، وهؤلاء عبدة الدرهم والدينار الذين يشعلون نار الحرب من أجل تحقيق مطامعهم الدنيوية ، وأحياناً يصنعون أسلحة الدمار الشامل ويبيعونها بأثمان باهظة لهذا وذاك ويوقدون نار الفتنة بينهم ، فهؤلاء أضحوا ألعوبة بيد الدنيا والدنيا ألعوبة بيدهم ، ومن هذه الجهة نسوا اللَّه
هامش
( 1 ) . « سُرُوح » جمع « سرح » على وزن « شرح » وهو الحيوان الذي ترك في الصحراء ليأكل ويرعى .
( 2 ) . « عاهة » بمعنى الآفة والعيب .
( 3 ) . « وَعْث » يعني الطريق التي يسير فيها الشخص بصعوبة .
( 4 ) . « مُسيم » وهو الشخص الذي يسوق الحيوانات للرعي ، وهي من « السوْم » على وزن « صوم » ويعني الرعي .
( 5 ) . « تاهوا » من « التيه » وهو الحيرة والتيه .