ثمّ يذكر دليلين لهذا الكلام ويقول : « فَقَدْ نَبَّأَكَ اللَّهُ عَنْهَا وَنَعَتْ « 1 » هِيَ لَكَ عَنْ نَفْسِهَا ، وَتَكَشَّفَتْ لَكَ عَنْ مَسَاوِيهَا » .
وهنا آيات عدّة في القرآن الكريم تتحدّث عن وهميّة الدنيا وعدم ثباتها ، منها :
« وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً » « 2 » .
وهذا المثال ناظر للأشخاص الذين يطوون مراحل العمر المختلفة ( الطفولة والشباب والشيخوخة ) ، ولكنّ الكثير منهم لا يصلون لمراحل متقدّمة ، بل يحين أجلهم ويغادرون الدنيا في المراحل الأولى أو المتوسطة لأسباب وعوامل مختلفة .
وأمّا قوله : « وَنَعَتْ هِيَ لَكَ عَنْ نَفْسِهَا ، وَتَكَشَّفَتْ لَكَ عَنْ مَسَاوِيهَا » ، فالمقصود أنّ الدنيا تحدّثت معك بلسان الحال ، وهذا ما ورد في كلام آخر للإمام أمير المؤمنين عليه السلام حيث قال : « أَيُّهَا الذَّامُّ لِلدُّنْيَا الْمُغْتَرُّ بِغُرُورِهَا الْمَخْدُوعُ بِأَبَاطِيلِهَا . . .
مَتَى غَرَّتْكَ ! أَ بِمَصَارِعِ آبَائِكَ مِنَ الْبِلَى ، أَمْ بِمَضَاجِعِ أُمَّهَاتِكَ تَحْتَ الثَّرَى ! » « 3 » .
وكما قال الشاعر :
هِيَ الدُّنْيا تَقُولُ لِمَنْ عَلَيْها * حَذارِ حَذارِ مِنْ بَطْشي وَفَتْكي
فَلا يَغْرُرْكُمْ حُسْنُ ابْتِسامِي * فَقَولي مُضْحِكٌ وَالْفِعْلُ مُبْكي « 4 »
أجل ، فبريق الدنيا يثير في الإنسان النشاط والحركة ، ولكن عندما يتعمّق الإنسان في حالاتها ، يرى كثرة المتغيّرات فيها ، وعدم وفائها وعدم ثباتها على حال ، ويقوده التفكّر والتدبّر في أمرها للبكاء والحزن .
هامش
( 1 ) . « نعت » من مادة « نعى » على وزن « سعى » وتعني الإخبار بموت شخص .
( 2 ) . سورة الكهف ، الآية 45 .
( 3 ) . نهجالبلاغة ، الكلمات القصار ، 131 .
( 4 ) . إرشاد القلوب ، ج 1 ، ص 21 .