تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 530

مساهمون:

ص٥٣٠
بَغْتَةً فَيَبْهَرَكَ « 1 » » . وهذه هي الحقيقة الواضحة التي يعيش غالبية الناس الغفلة عنها ، فالجميع يعلم أنّ عمر الإنسان ليس له تاريخ محدّد حسب الظاهر ، وأنّه ربّما يواجه الموت في كلّ لحظة وفي كلّ زمان ، بسبب الحوادث الخارجية أو الحوادث الباطنية ( الأمراض المفاجئة ) على مستوى الفرد والجماعة ، والكثير من الناس يدركون هذه الحقيقة ويرون ظاهرة الموت ، إلّاأنّهم غافلون عنها ، وأحياناً يغرقون في تفكير عميق عندما يشتركون في مجالس العزاء لأحد المفقودين من أعزّائهم وأرحامهم ، وربّما قرّروا في تلك اللحظة التهيّؤ لسفر الآخرة والاهتمام لتحصيل الزاد لهذا السفر المصيريّ ، ولكنّهم ما أن يخرجوا من ذلك المجلس حتّى يوضع هذا القرار في زاوية النسيان . ويؤكّد الإمام عليه السلام في كلامه هذا على أنّك لا ينبغي أن تنسى هذه الحقيقة الملموسة ، وعليك بالاستعداد لاستقبال الموت ، واحذر من أن يباغتك فجأة وأنت غير مستعدّ له . ومرّ علينا قول الإمام عليه السلام في الخطبة 114 في نهج‌البلاغة : « فَبَادِرُوا الْعَمَلَ وَخَافُوا بَغْتَةَ الْأَجَلِ » . وفي الديوان المنسوب للإمام أمير المؤمنين عليّ عليه السلام نقرأ أشعاراً عميقة المعنى في هذا المجال منها :
يا مَنْ بِدُنْياهُ اشْتَغَل * قَدْ غَرَّهُ طُولُ الْأَمَل الْمَوْتُ يَأْتِي بَغْتَةً * وَالْقَبْرُ صُنْدُوقُ الْعَمَل
ويواصل الإمام عليه السلام كلامه في تحذير ولده من الاغترار بالدنيا والانخداع بأعمال أهلها فإنّهم كالحيوانات المفترسة يتكالبون على ملذّاتها وزخارفها ، ويقول : « وَإِيَّاكَ أَنْ تَغْتَرَّ بِمَا تَرَى مِنْ إِخْلَادِ « 2 » أَهْلِ الدُّنْيَا إِلَيْهَا ، وَتَكَالُبِهِمْ « 3 » عَلَيْهَا » .
هامش
( 1 ) . « يبهر » من « البهر » على وزن « بحر » بمعنى حالة تجعل الإنسان مبهوتاً أمام الشيء . ( 2 ) . « إِخلاد » من « الخُلد » و « خلود » بمعنى السكون المستمر في مكان واحد ، و « الاخْلادِ إلَى الْارْضِ » بمعنى إلالتصاق بها ، و « الإِخْلادِ إِلَى الدُّنْيا » يعني التمسك بأمور الدنيا والتشبث بها . ( 3 ) . « تكالب » يمعنى الهجوم لتحصيل شيء ، وهي في الأصل من مادة « كلب » .