ثمّ يضيف : « يُوشِكُ « 1 » مَنْ أَسْرَعَ أَنْ يَلْحَقَ » ، فمن يسير بسرعة في هذا السفر يوشك أن يصل إلى الموت .
والمراد من « مَنْ أَسْرَعَ » جميع أفراد البشر لا طائفة خاصّة ، لأنّ جميع الناس يتحرّكون بسرعة باتّجاه المنزل النهائي ، وهو نهاية الحياة .
ويطرح الإمام عليه السلام تشبيهاً جميلًا عن الناس في هذا العالم ويقول : « وَاعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّ مَنْ كَانَتْ مَطِيَّتُهُ « 2 » اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ، فَإِنَّهُ يُسَارُ بِهِ وَإِنْ كَانَ وَاقِفاً ، وَيَقْطَعُ الْمَسَافَةَ وَإِنْ كَانَ مُقِيماً وَادِعاً « 3 » » .
وهو إشارة إلى أنّ الحركة باتّجاه نهاية العمر هي حركة إجباريّة وحتميّة لا اختياريّة ، فالجميع يركبون مطيّة الزمان ويتحرّكون بيد التقدير الإلهيّ ، وسرعان ما يصلون - شاؤوا أم أبوا - إلى نقطة النهاية ، وإن كان الكثير منهم يعيشون الغفلة عن هذا المصير .
وهناك تعابير أخرى وردت في سائر كلمات الإمام عليه السلام في هذا المجال ، منها قوله : « أَهْلُ الدُّنْيَا كَرَكْبٍ يُسَارُ بِهِمْ وَهُمْ نِيَامٌ » « 4 » .
ويقول في مورد آخر : « نَفَسُ الْمَرْءِ خُطَاهُ إِلَى أَجَلِهِ » « 5 » .
وفي حديث آخر يقول أمير المؤمنين عليه السلام : « إنّ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ يَعْمَلانِ فِيكَ فَاعْمَلْ فيهِما وَيَأْخُذانِ مِنْكَ فَخُذْ مِنْهُما » « 6 » .
وينقل ابن أبيالحديد في هذا المورد قصّة جميلة عن أستاذه ويقول : واستقرأني أبو الفرج محمّد بن عبّاد ( رحمه اللَّه ) وأنا يومئذ حدث ، هذه الوصيّة فقرأتها عليه من
هامش
( 1 ) . « يُوشِك » من مادة « وَشْك » على وزن « فقر » وتعني السير السريع ، وعلى ضوء ذلك فإنّ مفهوم هذه العبارة أنّاللحوق سرعان ما يتحقق ( والصحيح في يوشك أن تقرأ بكسر الشين وأحياناً تقرأ بفتحها ) .
( 2 ) . « مَطيّة » من مادة « مطو » على وزن « عطف » تعني الحركة الجدية لغرض النجاة في المسير .
( 3 ) . « وادع » هو الشخص الذي يجلس بهدوء وسكون ، وهذه الكلمة من « الوداعة » أي السكون والهدوء .
( 4 ) . نهجالبلاغة ، الكلمات القصار ، 64 .
( 5 ) . المصدر السابق ، 74 .
( 6 ) . غرر الحكم ، ح 2789 .