القسم الثاني والعشرون
رُوَيْداً يُسْفِرُ الظَّلَامُ ، كَأَنْ قَدْ وَرَدَتِ الْأَظْعَانُ ، يُوشِكُ مَنْ أَسْرَعَ أَنْ يَلْحَقَ ! وَاعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّ مَنْ كَانَتْ مَطِيَّتُهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ، فَإِنَّهُ يُسَارُ بِهِ وَإِنْ كَانَ وَاقِفاً ، وَيَقْطَعُ الْمَسَافَةَ وَإِنْ كَانَ مُقِيماً وَادِعاً .
الشرح والتفسير : السائرون بمركب الليل والنهار
في هذا المقطع من الوصية يحذّر الإمام عليه السلام مرّة أخرى ولده العزيز من هجوم الموت ونهاية العمر ، ويقول : رُوَيْداً « 1 » يُسْفِرُ « 2 » الظَّلَامُ » .
والمقصود من الظلام في هذه العبارة الجهل بحال الدنيا وتقلّباتها حيث يتصوّر بعض الجهّال ثباتها وديمومة حالاتها ، ولكن لا تمضي فترة حتّى يواجهون الموت بهيئته الموحشة .
ثمّ يشبّه الإمام عليه السلام ، أهل هذا العالم بالمسافرين الذين يتحرّكون باتّجاه المنزل المقصود ويقول : « كَأَنْ قَدْ وَرَدَتِ الْأَظْعَانُ « 3 » » .
هامش
( 1 ) . « رُويداً » من مادة « رود » على وزن « عَود » في الأصل تعني الغدو والرواح والسعي لأداء عمل معيّن بلطافة وليونة ، وهذه المفردة تأتي بمعنى المصدر وتقترب من التصغير ، يعني أملهني وفترة وجيزة ، والسبب في نصب رويداً أنّها مفعول مطلق لفعل محذوف ، وكأنّها في الأصل يقال : « أَمْهِلْ إِمْهالًا قَلِيلًا » .
( 2 ) . « يُسْفِر » من مادة « سفر » على وزن « فقر » وتعني كشف الغطاء وإزاحة اللثام ، ولذلك يقال للمرأة غير المحجّبة سافرة ، وتستعمل هذه الكلمة في طلوع الصبح وكأنّ الصبح يكشف عن لثامه ويزيح نقابه ويشرق ، وهنا ظلام فاعل ، وفيالحقيقة أنّه شبّهالصبح بموجود نورانيٍّ قد حجب بظلماتالجهلولكن يوشك أن يزاحالنقاب عنه .
( 3 ) . « أَظعان » تأتي أحياناً جمع « ظعينة » بمعنى الهودج الذي يوضع على الجمل أثناء السفر للركوب ، وورود الأظعان يعني أنّ المسافرين أوشكوا على الوصول .