ويستطرد الإمام عليه السلام في كلامه في بيان الدنيا وحالاتها ، فيقسّم أهل الدنيا إلى أربع طوائف ويقول : « فَإِنَّمَا أَهْلُهَا كِلَابٌ عَاوِيَةٌ « 1 » ، وَسِبَاعٌ ضَارِيَةٌ « 2 » ، يَهِرُّ « 3 » بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ ، وَيَأْكُلُ عَزِيزُهَا ذَلِيلَهَا ، وَيَقْهَرُ كَبِيرُهَا صَغِيرَهَا ، نَعَمٌ « 4 » مُعَقَّلَةٌ « 5 » ، وَأُخْرَى مُهْمَلَةٌ « 6 » » .
والحقيقة أنّ هذا التقسيم رائع ودقيق جدّاً :
إنّ الإمام عليه السلام يشبّه طائفة من الناس من أهل الدنيا بالكلاب التي اجتمعت حول جيفة وكلّ واحد منها يريد الاستحواذ عليها ، فينبح على سائر الكلاب ويريد إبعادها عن هذه الجيفة ، والمصداق البارز لهذه الطائفة الأثرياء والمترفين الذين يعيشون الغفلة عن اللَّه تعالى ويسعون دوماً لجمع الثروات واكتناز الأموال وإقصاء الآخرين عن طريقهم ، فأحياناً يصرخون بوجوههم ، وأُخرى يلتجئون إلى المحاكم ويسعون من خلال المحامين المنحازين أن يستحوذوا على أموال الآخرين بصيغ قانونية ، ونرى مثل هذه الحالة من التنافس بين الحكومات والدول من خلال الحرب الباردة وأجهزة الإعلام الكاذب حيث يسعون لاحتكار أسواق بلدان العالم الثالث والهيمنة والسيطرة على ثروات الشعوب الأخرى .
وطائفة من أهل الدنيا يتمثّلون في عصرنا بالحكومات الاستكبارية وأصحاب القدرة والنفوذ ، ( أو الأثرياء الذين يدعمون مثل هذه الحكومات ) فنراهم يعيشون دوماً حالات التنافس غير المشروع ويسعون لنهب مصادر الثروة من الآخر ، وفي كثير من الأحايين يشعلون الحروب المدمّرة من أجل التوصّل إلى مقصودهم ، ويسفكون دماء آلاف الأبرياء ويدمّرون المدن والقرى ، أجل ، هؤلاء الذئاب العاوية
هامش
( 1 ) . « عاوِيَة » بمعنى الكلاب التي تعوي .
( 2 ) . « ضارِيَة » بمعنى المتوحشة ، وهي من مادة « ضرو » على وزن « ضرب » وتعني حالة التوحش في النفس .
( 3 ) . « يَهِرّ » من « الهرير » وتعني العواء والنباح .
( 4 ) . « نعَم » الدواب وغالباً تطلق هذه الكلمة على الإبل ( وتأتي هذه المفردة أحياناً بمعنى المفرد أو أخرى بمعنىالجمع ، وفي هذه الجملة تشمل الإبل والبقر والغنم ) .
( 5 ) . « مُعَقّلةً » وهي المشدودة بالعقال ، والعقال حبل خاصّ تربط به رجل البعير حول ركبته .
( 6 ) . « مُهْمَلَة » يعني المتروكة ، وهنا تعني الحيوان المتروك لحاله .