تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 529

مساهمون:

ص٥٢٩

القسم الحادي والعشرون

يَا بُنَيَّ أَكْثِرْ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ ، وَذِكْرِ مَا تَهْجُمُ عَلَيْهِ ، وَتُفْضِي بَعْدَ الْمَوْتِ إِلَيْهِ ، حَتَّى يَأْتِيَكَ وَقَدْ أَخَذْتَ مِنْهُ حِذْرَكَ ، وَشَدَدْتَ لَهُ أَزْرَكَ ، وَلَا يَأْتِيَكَ بَغْتَةً فَيَبْهَرَكَ . وَإِيَّاكَ أَنْ تَغْتَرَّ بِمَا تَرَى مِنْ إِخْلَادِ أَهْلِ الدُّنْيَا إِلَيْهَا ، وَتَكَالُبِهِمْ عَلَيْهَا ، فَقَدْ نَبَّأَكَ اللَّهُ عَنْهَا ، وَنَعَتْ هِيَ لَكَ عَنْ نَفْسِهَا ، وَتَكَشَّفَتْ لَكَ عَنْ مَسَاوِيهَا ، فَإِنَّمَا أَهْلُهَا كِلَابٌ عَاوِيَةٌ ، وَسِبَاعٌ ضَارِيَةٌ ، يَهِرُّ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ ، وَيَأْكُلُ عَزِيزُهَا ذَلِيلَهَا ، وَيَقْهَرُ كَبِيرُهَا صَغِيرَهَا . نَعَمٌ مُعَقَّلَةٌ ، وَأُخْرَى مُهْمَلَةٌ ، قَدْ أَضَلَّتْ عُقُولَهَا ، وَرَكِبَتْ مَجْهُولَهَا . سُرُوحُ عَاهَةٍ بِوَادٍ وَعْثٍ ، لَيْسَ لَهَا رَاعٍ يُقِيمُهَا ، وَلَا مُسِيمٌ يُسِيمُهَا . سَلَكَتْ بِهِمُ الدُّنْيَا طَرِيقَ الْعَمَى وَأَخَذَتْ بِأَبْصَارِهِمْ عَنْ مَنَارِ الْهُدَى ، فَتَاهُوا فِي حَيْرَتِهَا ، وَغَرِقُوا فِي نِعْمَتِهَا وَاتَّخَذُوهَا رَبّاً ، فَلَعِبَتْ بِهِمْ وَلَعِبُوا بِهَا ، وَنَسُوا مَا وَرَاءَهَا .

الشرح والتفسير : الدنيا الخدّاعة وأهلها

في هذا المقطع من الوصيّة يحذّر الإمام عليه السلام ولده من الركون إلى الدنيا ويؤكّد عليه أن يذكر الموت ويستعدّ له ولا يغترّ بأفعال وسلوكيات أهل الدنيا . بداية يقول : « يَا بُنَيَّ أَكْثِرْ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ ، وَذِكْرِ مَا تَهْجُمُ عَلَيْهِ ، وَتُفْضِي بَعْدَ الْمَوْتِ إِلَيْهِ ، حَتَّى يَأْتِيَكَ وَقَدْ أَخَذْتَ مِنْهُ حِذْرَكَ « 1 » ، وَشَدَدْتَ لَهُ أَزْرَكَ « 2 » ، وَلَا يَأْتِيَكَ
هامش
( 1 ) . « حذر » بمعنى التوقّي من الخطر والانتباه في مقابل المستجدّات . ( 2 ) . « أزر » في الأصل من « إِزار » وهو اللباس ، وبخاصة اللباس الذي يرتديه الإنسان على وسطه ، وبهذه المناسبة توحي هذه الكلمة بالتأييد والقدرة وامتلاك القوة .