يزول أو يتغيّر بسهولة . ثمّ تضيف الرواية : وَالتَّعَلُّمُ فِي الْكِبَر كَالْخَطِّ عَلَى الْماءِ » ، « 1 » في سرعة زواله وتغييره .
ثم إنّ الإمام يقدّم دليلين آخرين ويقول : فَبَادَرْتُكَ بِالْأَدَبِ قَبْلَ أَنْ يَقْسُوَ قَلْبُكَ ، وَيَشْتَغِلَ لُبُّكَ » .
والحقيقة أنّ الإمام بيّن ثلاثة أدلّة لاختياره لهذا الموقع والسنّ لتقديم النصح والموعظة ، منها ، استعداد قلب الشابّ لتقبّل المواعظ ، وقساوة القلب بسبب عدم التلوّث بالذنوب وعدم اشتغال الذهن بمشاكل الحياة ، وكلّ واحدة من هذه الجهات الثلاث كافٍ لوحده لاختيار هذا الوقت المحدّد ، فكيف إذا اجتمعت هذه الجهات مع بعضها !
ثمّ يضيف الإمام عليه السلام : « لِتَسْتَقْبِلَ بِجِدِّ رَأْيِكَ مِنَ الْأَمْرِ مَا قَدْ كَفَاكَ أَهْلُ التَّجَارِبِ بُغْيَتَهُ « 2 » وَتَجْرِبَتَهُ ، فَتَكُونَ قَدْ كُفِيتَ مَئُونَةَ الطَّلَبِ ، وَعُوفِيتَ مِنْ عِلَاجِ التَّجْرِبَةِ » .
ويشير الإمام عليه السلام في هذه الفقرة من الكلام إلى أهمية الاستفادة من تجارب الآخرين ، لأنّ الحياة ليست سوى تجارب ، والإنسان العاقل بدلًا من أن يجرّب كلّ شيء بنفسه ويترتّب على ذلك أضرار ومشاكل كثيرة ، فإنّه يستفيد من تجارب الآخرين ويتعلّم منهم ما يعينه في مسيرته بدون أن يدفع ثمن هذه التجارب ، وبعبارة أخرى ، إنّ الأجيال اللاحقة من حيث انتفاعها بتجارب القدماء ، تعيش أفضل حالًا منهم من حيث السعادة والخبرة في مواجهة التحدّيات والظروف ، فما اكتسبه القدماء بتعب وجهد كبير فإنّ الجيل اللاحق ينتفع منه بدون تعب ، وكما يقول الإمام : « كُفيتَ مَؤُنَةَ الطَّلَبِ وَعُوفِيتَ مِنْ عَلاجِ التَّجْرِبَةِ » .
ولذلك يقول الإمام عليه السلام في ختام هذه الفقرة من الوصية : « فَأَتَاكَ مِنْ ذَلِكَ مَا قَدْ كُنَّا
هامش
( 1 ) . شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد ، ج 16 ، ص 67 .
( 2 ) . « بغية » بمعنى الطلب ، من مادة « بغي » على وزن « نفي » ، ويقول الراغب في مفرداته إنّ هذه الكلمة تعني أحياناً مفهوماً ايجابياً وهو طلب الخيرات ، وأخرى مفهوماً سلبياً وهو تجاوز حدّ العدالة والميل لجهة الظلم والباطل .