ولهاتين الجهتين بادرت لكتابة هذه الوصية .
بداية يقول الإمام عليه السلام : « أَيْ بُنَيَّ إِنِّي لَمَّا رَأَيْتُنِي قَدْ بَلَغْتُ سِنّاً ، وَرَأَيْتُنِي أَزْدَادُ وَهْناً ، بَادَرْتُ بِوَصِيَّتِي إِلَيْكَ » .
ومعلوم أنّ عمر الإمام عليه السلام في ذلك الوقت كان قد بلغ ستّين سنة أو أكثر قليلًا من ذلك ، وكان عمر الحسن عليه السلام أكثر من ثلاثين عاماً ويملك في ذلك الوقت مشاعر الشباب وإحساسات الفتوّة ، وهذا يعتبر درساً لجميع الآباء تجاه أبنائهم ، فعندما يتقدّم بهم العمر وقبل أن يحلّ أجلهم ، أو يتجاوز الأبناء مرحلة الشباب ويفقدوا الاستعداد لتقبّل النصيحة وتغيير المواقف والسلوكيات ، فاللازم على الآباء أن يتقدّموا لهم بمثل هذه التوصيات .
ثمّ إنّ الإمام عليه السلام يتقدّم بتوضيح أكثر ويقول : « وَأَوْرَدْتُ خِصَالًا مِنْهَا قَبْلَ أَنْ يَعْجَلَ بِي أَجَلِي دُونَ أَنْ أُفْضِيَ « 1 » إِلَيْكَ بِمَا فِي نَفْسِي ، أَوْ أَنْ أُنْقَصَ فِي رَأْيِي كَمَا نُقِصْتُ فِي جِسْمِي ، أَوْ يَسْبِقَنِي إِلَيْكَ بَعْضُ غَلَبَاتِ الْهَوَى وَفِتَنِ الدُّنْيَا ، فَتَكُونَ كَالصَّعْبِ النَّفُورِ « 2 » » .
وهنا نرى الإمام عليه السلام يتحدّث ، لا من موقع كونه إماماً معصوماً ولا أنّ مخاطبه بوصفه ابنه المعصوم ، بل بوصفه أباً مسنّاً ومحبّاً لولده الذي يخشى عليه أن يقع في دوّامة الأهواء وفتن الدنيا ووساوس النفس ، ويشير إلى أمرين ، أحدهما يعود لنفسه ، والآخر لولده ، ويقول : إنّني من جهة قد بلغ بي العمر سنّ الشيخوخة ، وأخشى أن يحين أجلي وأفقد الحديث معك ، ومن جهة أخرى أنّ التقدّم في السنّ ربّما يضعف الذهن والفكر كما يضعف أعضاء البدن الأخرى ، ومن جهة ثالثة ، أخشى عليك الآفات المختلفة والوقوع في شباك الشيطان والأهواء النفسانية ومغريات الدنيا ،
هامش
( 1 ) . « أفضى » من « الإفضاء » وأصلها « فضاء » بمعنى الوصول للشيء وكأنّه دخل في جوه وفضائه ، ثم أطلقت علىمفهوم إلقاء مطلب معين وتعليمه لآخر وكأنّ المتكلّم ألقى هذا المفهوم في فضاء فكرالمخاطب .
( 2 ) . « نَفور » في الأصل بمعنى الحيوان الهارب الذي نفر من شيء مخوف ، ثم أطلقت على كل إنسان يهرب من شيء .