تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 455

مساهمون:

ص٤٥٥

القسم الثامن

أَيْ بُنَيَّ ، إِنِّي وَإِنْ لَمْ أَكُنْ عُمِّرْتُ عُمُرَ مَنْ كَانَ قَبْلِي ، فَقَدْ نَظَرْتُ فِي أَعْمَالِهِمْ ، وَفَكَّرْتُ فِي أَخْبَارِهِمْ ، وَسِرْتُ فِي آثَارِهِمْ ، حَتَّى عُدْتُ كَأَحَدِهِمْ ؛ بَلْ كَأَنِّي بِمَا انْتَهَى إِلَيَّ مِنْ أُمُورِهِمْ قَدْ عُمِّرْتُ مَعَ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ ، فَعَرَفْتُ صَفْوَ ذَلِكَ مِنْ كَدَرِهِ ، وَنَفْعَهُ مِنْ ضَرَرِهِ ، فَاسْتَخْلَصْتُ لَكَ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ نَخِيلَهُ ، وَتَوَخَّيْتُ لَكَ جَمِيلَهُ ، وَصَرَفْتُ عَنْكَ مَجْهُولَهُ ، وَرَأَيْتُ حَيْثُ عَنَانِي مِنْ أَمْرِكَ مَا يَعْنِي الْوَالِدَ الشَّفِيقَ ، وَأَجْمَعْتُ عَلَيْهِ مِنْ أَدَبِكَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَأَنْتَ مُقْبِلُ الْعُمُرِ وَمُقْتَبَلُ الدَّهْرِ ، ذُو نِيَّةٍ سَلِيمَةٍ ، وَنَفْسٍ صَافِيَةٍ .

الشرح والتفسير : تجارب الآخرين وإطالة عمر اللاحقين

يشير الإمام عليه السلام في مطلع هذه الفقرة من الوصيّة إلى نقطة في غاية الأهمية ، وهي ضرورة مطالعة ودراسة تاريخ القدماء وسيرة الأقوام السالفة فيما يصل إلينا من أخبارهم وأعمالهم ومن خلال ما تتركه لنا آثارهم ( ولأطلال والقبور المندرسة والثروات الباقية و . . . ) ويقول : « أَيْ بُنَيَّ ، إِنِّي وَإِنْ لَمْ أَكُنْ عُمِّرْتُ عُمُرَ مَنْ كَانَ قَبْلِي ، فَقَدْ نَظَرْتُ فِي أَعْمَالِهِمْ ، وَفَكَّرْتُ فِي أَخْبَارِهِمْ ، وَسِرْتُ فِي آثَارِهِمْ ؛ حَتَّى عُدْتُ كَأَحَدِهِمْ ، بَلْ كَأَنِّي بِمَا انْتَهَى إِلَيَّ مِنْ أُمُورِهِمْ قَدْ عُمِّرْتُ مَعَ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ » . وهو إشارة إلى أنّ الحياة ليست سوى تجربة ، فلو أنّ المرء انتفع من تجارب الآخرين وتدبّر في أعمالهم والنتائج المترتّبة عليها ، ونظر بعين العبرة إلى آثارهم وما بقي منهم في مطاوي التاريخ ، فإنّه سيعيش طيلة عمره وكأنّه عاش مع جميع