الصعب عليهم تقبّل الأصول والقيم الأخلاقية ، وينبغي لهم أن يمارسوا فرض هذه القيم على النفس بآلية التكرار والتمرّن على ذلك ، وهذا الفعل المتكرّر ، من شأنه أن يتسبّب في صيرورة ذلك الأمر الأخلاقيّ عادة مستديمة ، والاستمرار على هذه العادة يجعل منها ملكة نفسانية راسخة في واقع الإنسان ، يعني أنّ هذا الخلق سينفذ تدريجياً إلى أعماق روح الإنسان بحيث تشهد تحوّلًا في السلوك الأخلاقيّ .
وقد ورد في كلمات أمير المؤمنين عليه السلام في كتاب غرر الحكم : « الخَيْرُ عَادَةٌ » وأيضاً « العَادَةُ طَبْعٌ ثَانٍ » ، وهذه الكلمات إشارة إلى هذا المعنى مورد البحث .
أمّا الفرق بين التصبّر والصبر ، فهو أنّ الشخص الصابر هو واقعاً من أهل الصبر والاستقامة ، أي يعيش هذه الملكة الراسخة ، وأمّا التصبّر فيقال للشخص الذي لا يجد في نفسه ملكة الصبر وليس من الصابرين ، بل يدفع نفسه بهذا الاتّجاه .
وأساساً فالكثير من الفضائل الأخلاقية لا يحصل عليها الإنسان إلّابرياضة النفس والتعوّد والتمرّن ، وبما أنّ الصبر والاستقامة ومواجهة التحدّيات الصعبة يعتبر رأس مال جميع النجاحات في الحياة ، وطبقاً لما ورد في بعض الروايات أنّ الصبر بالنسبة للإيمان كالرأس من الجسد ، فلابدّ للإنسان من السعي الجادّ لتحصيل هذه الملكة والفضيلة السامية ، وكما يقول الشاعر :
صَبراً لِما تُحدِثُ الأيّام مِن حَدثٍ * فَالدَّهرُ فِي جَورِهِ جارٍ عَلَى سُننِ
الصَّبرُ أَجمَلُ ثَوبٍ أنتَ لابِسهُ * لنازلٍ والتَّعزِّي أَحسنُ السُننِ
وَهَوّنِ الوَجدَ إنّي لا أرى أحَداً * بِفرقَةِ الإلفِ يَوماً غَير مُمتَحنِ « 1 »
وممّا ينسب لإميرالمؤمنين عليه السلام :
ألا فاصبِر عَلَى الحَدثِ الجَليلِ * وَداوِ جَواك بالصّبرِ الجَميلِ
وَلا تَيأس فإنّ اليأسَ كُفرٌ * لَعلَّ اللَّهَ يُغني مِن قليلِ
وإنّ العُسرَ يَتبعُهُ يَسارٌ * وَقَولُ اللَّهِ أصدقُ كُلّ قيلِ « 2 »
هامش
( 1 ) . معجم حكمة العرب ، ص 238 .
( 2 ) . انظر : تاريخ مدينة دمشق ، ج 42 ، ص 524 ، البداية والنهاية ، ج 8 ، ص 11 .