أهله ورفاقه ، فإنّه يتوجّه إلى اللَّه تعالى ويستشيره في هذا الأمر ، فالاستخارة هنا نوع من المشورة مع اللَّه تعالى ، والمعنى الآخر للاستخارة أن يطلب الإنسان من اللَّه تعالى الخير والصلاح في كلّ عمل يقدم عليه ، يعني أن يجعل اللَّه تعالى حاكماً على مصيره ، فيتحرّك في حياته من أجل الكسب والتجارة والزراعة وما إلى ذلك ولكنّ لسان حاله يقول : ( أَسْتَخيرُ اللَّهَ بِرَحْمَتِهِ ) ، يعني أطلب من اللَّه الخير والبركة والرحمة ، وهذا النوع من الاستخارة ورد التأكيد عليه كثيراً في الروايات الشريفة ، منها ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام : « مَا اسْتَخَارَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَبْدٌ مُؤْمِنٌ إِلَّا خَارَ لَهُ » « 1 » .
ثمّ يوصي الإمام عليه السلام ولده بأن يتعمّق في فهم هذه الوصايا والنصائح ، ولا يمرّ عليها مرور الكرام أو يتعامل معها بسطحيّة وتساهل ، ويقول : « وَتَفَهَّمْ وَصِيَّتِي ، وَلَا تَذْهَبَنَّ عَنْكَ صَفْحاً « 2 » » .
ثمّ يقدّم الدليل لتأييد هذه الحقيقة ، ويقسّم العلوم والمعارف إلى ثلاثة أقسام يقول : « فَإِنَّ خَيْرَ الْقَوْلِ مَا نَفَعَ ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَاخَيْرَ فِي عِلْمٍ لَايَنْفَعُ ، وَلَا يُنْتَفَعُ بِعِلْمٍ لَا يَحِقُّ تَعَلُّمُهُ » .
فالعلوم النافعة هي العلوم التي تعين الإنسان في مسيرته المعنوية والقرب إلى اللَّه ، سواءً كانت في مجال العقائد أو العبادات أو الأخلاق وما شاكل ذلك ، وبذلك تحقّق له حياة كريمة في هذه الدنيا وتنقذه من الفقر الذي يعدّ عاملًا رئيسياً للكفر والضلالة والانحراف .
والعلوم غير النافعة هي العلوم التي لا يجد الإنسان فيها خير الدنيا ولا خير
هامش
( 1 ) . بحار الأنوار ، ج 88 ، ص 224 ، ح 4 .
( 2 ) . « صفح » في الأصل بمعنى الجانب والطرف المواجه للشيء ، ومعناه المصدري الإعراض وصرف النظر عن الشيء ، وبما أنّ صرف الإعراض عن الشيء تارة بدفاع العفو الصفح وأخرى بسبب الغضب والاستياء ، فهذه المفردة تستعمل بكلا المعنيين ، وضمناً ينبغي الالتفات إلى أنّ فاعل تذهبنّ هو الوصية ، ومعنى الجملة أنّ وصيتي لا ينبغي أن تنسى بسبب الاهمال والإعراض عنها ، أي لا تتعامل معها من موقع اللامبالاة والتساهل ، وجاء في بعض النسخ كلمة « عنها » ، بدلًا من عنك ، وفي هذه الصورة سيكون فاعل تذهبنّ المخاطب ، أي الإمام الحسن عليه السلام .