تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 439

مساهمون:

ص٤٣٩
مرحلة وأعلى مرتبة من هذا السلوك المعنوي ، ويبذلوا كلّ جهدهم وطاقتهم في سبيل الثبات والاستقامة في خطّ الإيمان والعبودية ، وجملة : « جَاهِدْ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ » إشارة إلى هذا المعنى . أمّا جملة : « وَلَا تَأْخُذْكَ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ » فهي إشارة إلى أنّه أحياناً يلتّف بعض الأراذل حول الإنسان المجاهد ويلومونه على مسلكه ويعيقون حركته في طريق الحق ، والإيمان ، فالإمام عليه السلام يقول : لا ينبغي أن يكون هذا الذمّ والتوبيخ مانعاً لك من الاستقامة في هذا الطريق ، فعندما يتبيّن لك طريق الحقّ فسر فيه بعزم راسخ وتوكّل على اللَّه ، ولا تهتمّ لأقاويل المبطلين ، ولا تلتفت للوم اللائمين . وبما أنّ طريق الحقّ يزخر بالمشكلات الكثيرة والمآزق الخطيرة ، وأنّ السالكين في طريق الحقّ لا يصلون إلى مقصدهم بدون مواجهة هذه الأزمات والمآزق ، فالإمام عليه السلام يشبّه هذه المشاكل والمآزق بأمواج البحر العاتية « وَخُضِ الْغَمَرَاتِ لِلْحَقِّ حَيْثُ كَانَ » ويأمر بخوض هذه الغمرات وعدم التراجع عن هذه الأمواج للوصول إلى المطلوب ونيل الجواهر الحقيقية . وهذا الكلام للإمام عليّ عليه السلام مقتبس من الآيات القرآنية الشريفة ، فنقرأ في الآية 78 من سورة الحج : « وَجاهِدُوا فِى اللَّهِ حَقَّ جِهادِه » وفي الآية 54 من سورة المائدة : « يُجاهِدُونَ فِى سَبيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ » . وذهب الكثير من المفسّرين أنّ « حقّ الجهاد » تعني إخلاص النيّة ، ولكن ينبغي الالتفات إلى أنّ هذا المفهوم لا ينحصر بإخلاص النيّة ، بل مراده أنّ أصعب مراحل الجهاد وهو جهاد النفس يتطلّب إخلاص النيّة . وفي ختام هذه الفقرة يطرح الإمام عليه السلام نصيحتين مهمّتين أيضاً لولده ، فيقول : « وَتَفَقَّهْ فِيالدِّينِ ، وَعَوِّدْ نَفْسَكَ التَّصَبُّرَ « 1 » عَلَى الْمَكْرُوهِ ، وَنِعْمَ الْخُلُقُ التَّصَبُرُ فِي الْحَقِّ » .
هامش
( 1 ) . « تصبّر » من مادة « صبر » بمعنى الاستقامة وضبط النفس ، والفرق بين التصبّر والصبر أنّ الشخص الصبور هو واقعاً من أهل الصبر والاستقامة ، وأمّا التصبّر فيقال في مورد الشخص الذي لم يصبح من أهل الصبر فعلًا ، بل يريد أن يملك هذه الحالة النفسية والفضيلة الأخلاقية .