ومع الالتفات إلى أنّ « تفقّه » من مادة « فقه » يعني الفهم والإدراك ، فمقصود الإمام عليه السلام من هذه الجملة « وَتَفَقَّهْ فِي الدِّينِ » أنّه لابدّ من الوعي الكامل لحقائق الدين ومعرفة أصوله وفروعه من موقع العمق والتمعّن ولا تقنع بالفهم السطحي لقضايا الدين ، بل عليك التعمّق في هذه الأمور .
وجملة : « عَوِّدْ نَفْسَكَ . . . » إشارة إلى أنّ الصبر والاستقامة في مقابل المشكلات والتحدّيات لا تتوفّر للإنسان إلّامن خلال التمرّن وتعويد النفس على الثبات في مواجهة الشدائد ، فينبغي عليك أن تمرّن نفسك على الثبات والصبر حتّى بضحى لديك عادة وملكة راسخة .
وعبارة : « نِعْمَ الْخُلُقُ التَّصَبُرُ فِي الْحَقِّ » إشارة إلى أنّ كلّ عمل جيّد ومطلوب يواجه عادة موانع ومشاكل مختلفة ، فلو لم يتمسّك الإنسان بآليّة الصبر والاستقامة على الحقّ ، فلا يستطيع أن يصل إلى نتيجة مرضية من أيّ عمل إيجابيّ ، فقطف الورد لا يتيسّر بدون تحمّل ألم الشوك ، والحصول على العسل من خلية النحل يقترن غالباً بلسعات الزنابير ، فلو لم يستقم الإنسان في خطّ الحقّ والإيمان مقابل المشاكل والتحدّيات الصعبة التي يفرضها الواقع ، فسوف لا يصل إلى أيّ هدف مقدّس في حركة الحياة .
ومن المناسب هنا أن نستعرض بعض أشعار أبي الأسود الدؤلي في هذا الصدد ، يقول :
تَعَوّدتُ مَسَّ الضُّرِّ حَتّى أَلِفْتُهُ * وَأَسْلَمَني طُولُ الْبَلاءِ إلَى الصَّبْرِ
وَوَسَّعَ صَدْري لِلْأَذى كَثْرَةُ الْأَذى * وَكانَ قَديماً قَدْ يَضيقُ بِهِ صَدْري
إذا أَنَا لَمْ أَقْبَلْ مِنَ الدَّهْرِ كُلَّ ما * أُلاقيهِ مِنْهُ طالَ عَتْبي عَلَى الدَّهْرِ « 1 »
هامش
( 1 ) . معجم الأدباء ، ج 12 ، ص 38 نقلًا عن شرح نهجالبلاغة للعلّامة التستري ، ج 8 ، ص 381 .