مُتَجَبِّراً ، وَعَنْ حَقِّ اللَّهِ مُقَصِّراً . فَسُبْحَانَ اللَّهِ ، كَيْفَ تَسْتَجيزُ الْغيبَةَ ، وَتَسْتَحْسِنُ الْعَضيهَةَ . فَإِنّي لَمْ أُشَاغِبْ إِلّا في أَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ ، أَوْ نَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ . وَلَمْ أَتَجَبَّرْ إِلّا عَلى بَاغٍ مَارِقٍ ، أَوْ مُلْحِدٍ كَافِرٍ ، وَلَمْ آخُذْ فِي ذَلِكَ إِلّا بِقَوْلِ اللَّهِ - سُبْحَانَهُ - : « لَاتَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ » « 1 » وَأَمَّا التَّقْصيرُ في حَقِّ اللَّهِ - تَعَالى - فَمَعَاذَ اللَّهِ وَإِنَّمَا الْمُقَصِّرُ في حَقِّ اللَّهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - مَنْ عَطَّلَ الْحُقُوقَ الْمُؤَكَّدَةَ ، وَرَكَنَ إِلَى الأَهْوَاءِ الْمُبْتَدَعَةِ ، وَأَخْلَدَ إِلَى الضَّلَالَةِ الْمُحَيِّرَةِ . وَمِنَ الْعَجَبِ أَنْ تَصِفَ ، يَا مُعَاوِيَةُ ، الِاحْسَانَ ، وَتُخَالِفَ الْبُرْهَانَ ، وَتَنْكُثَ الْوَثَائِقَ الَّتي هِيَ للَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - طَلِبَةٌ ، وَعَلى عِبَادِهِ حُجَّةٌ ، مَعَ نَبْذِ الإِسْلَامِ ، وَتَضْييعِ الأَحْكَامِ ، وَطَمْسِ الأَعْلَامِ ، وَالْجَرْيِ فِي الْهَوى ، وَالتَّهَوُّسِ فِي الرَّدى » .
أمّا ما أورد السيّد الرضيّ في نهجالبلاغة فهو :
إنّ الإمام عليه السلام بعد هذه المقدّمة أخذ ينصح معاوية ويعظه بطرق مختلفة ويتمّ الحجّة عليه ، بداية يقول في ثلاث جمل قصيرة وعميقة المعنى : « فَاتَّقِ اللَّهَ فِيمَا لَدَيْكَ ، وَانْظُرْ فِي حَقِّهِ عَلَيْكَ ، وَارْجِعْ إِلَى مَعْرِفَةِ مَا لَاتُعْذَرُ بِجَهَالَتِهِ » .
الجملة الأولى : « فَاتَّقِ اللَّهَ فِيمَا لَدَيْكَ » ربّما تشير إلى مقام معاوية في ولاية الشام ، أو إلى أموال المسلمين في يده ، أو جميع نعم اللَّه عليه ، فالإمام عليه السلام هنا يحذّره من التمسّك بما ليس لك من المقام ويجب عليك إعادته إلى أصحابه وأن تستخدم نعم اللَّه عليك في طريق طاعته والسعي لنيل رضاه وامتثال أمره .
والجملة الثانية : « وَانْظُرْ فِي حَقِّهِ عَلَيْكَ » إشارة إلى أنّ اللَّه تعالى له حقّ على عباده في مقابل كلّ هذه النعم والمواهب التي أنعم بها عليهم ، وهذا الحقّ الإلهيّ يستلزم أن يسير العبد في خط الطّاعة والعبودية والامتناع عمّا نهى اللَّه عنه ، فلو أنّه لم يؤدّ هذا الحقّ فسوف يواجه العذاب الأليم في الآخرة .
والجملة الثالثة : « وَارْجِعْ إِلَى مَعْرِفَةِ مَا لَاتُعْذَرُ بِجَهَالَتِهِ » ذهب جمع من شرّاح
هامش
( 1 ) . سورة المجادلة ، الآية 22 .