تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 405

مساهمون:

ص٤٠٥
ويستمرّ الإمام عليه السلام في كلامه محذّراً معاوية من مغبّة الانحراف عن الصراط المستقيم والإعراض عن طاعة اللَّه تعالى ، لأنّه : « مَنْ نَكَبَ « 1 » عَنْهَا جَارَ عَنِ الْحَقِّ ، خَبَطَ فِي التِّيهِ ، وَغَيَّرَ اللَّهُ نِعْمَتَهُ ، وَأَحَلَّ بِهِ نِقْمَتَهُ » . فالإمام عليه السلام في هذه الجمل الأربع ، يشير في البداية إلى نتيجة الانحراف عن مسير الطاعة ، وهو البعد عن الحقّ والتوغّل في دروب المتاهة والحيرة ، وبالتالي يعيش الإنسان الحرمان من النعم الإلهيّة ويستحقّ حينئذٍ العقوبة والعذاب . والجملتان الأوليان في الواقع بمثابة المقدّمة ، والجملتين الثالثة والرابعة بمثابة النتيجة وذي المقدمة ، وكأنّ كلام الإمام عليه السلام هذا إشارة إلى الآية الشريفة : « ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ » « 2 » . ثمّ يضيف الإمام عليه السلام : « فَنَفْسَكَ نَفْسَكَ ! فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَكَ سَبِيلَكَ ، وَحَيْثُ تَنَاهَتْ بِكَ أُمُورُكَ ، فَقَدْ أَجْرَيْتَ إِلَى غَايَةِ خُسْرٍ ، وَمَحَلَّةِ كُفْرٍ » . وهذا التعبير في الحقيقة مقتبس من القرآن الكريم : « عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ » « 3 » ، وتعبير الإمام عليه السلام إشارة إلى أنّ هذا الطريق الذي سلكته لا يقودك إلّاإلى الشقاء والخسران والكفر ، فينبغي عليك الانتباه من نوم الغفلة والعودة إلى أحضان الحقّ وتعاليم الرسالة الإلهيّة . وجملة : « قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَكَ سَبِيلَكَ » ، ذهب الكثير من شرّاح نهج‌البلاغة بأنّ اللَّه تعالى قد بيّن لك سبيل النجاة ، في حين أنّ هذا المعنى قد ورد في العبارات السابقة ولا حاجة للتكرار ، فالمقصود من هذه العبارة شيء آخر ، وهو أنّ الإمام عليه السلام يريد القول بأنّ اللَّه تعالى قد بيّن لك خطأ هذا المسير الذي تسير عليه وبيّن لك عواقبه السيئة ، والعبارات اللاحقة أيضاً تؤيّد هذا المعنى .
هامش
( 1 ) . « نكب » من « النكب » على وزن « نقب » وتعني الانحراف في المسير ، و « ناكب » هو الشخص الذي انحرف عن‌الطريق وأعرض عنه ، ومن هذه الجهة يقال لمن أعرضت الدنيا عنه أنّه منكوب وأصابته نكبة . ( 2 ) . سورة الأنفال ، الآية 53 . ( 3 ) . سورة المائدة ، الآية 105 .