وجملة : « الدُّنْيَا تُطْوَى مِنْ خَلْفِكُمْ » إشارة لطيفة إلى هذه الحقيقة ، وهي أنّ الإنسان يتجاوز كلّ مرحلة من مراحل الحياة وكأنّها كالفراش الذي يطوى خلف الإنسان ، بحيث يمكن إعادته لحالته السابقة ، فالشيوخ لا يعودون إلى مرحلة الشباب ، والشباب لا يعودون لمرحلة الطفولة ، وعلى ضوء ذلك فإنّ كل لحظة تمثّل للإنسان موتاً وحياةً جديدة ، الموت الذي لا يمكن معه العودة إلى الحالة السابقة .
وبعد أن بيّن الإمام عليه السلام ما سيواجهه الإنسان في نهاية الحياة وبعد الموت من حوادث مهولة ومشاكل جسيمة ، تحدّث عن عذاب النار والعاقبة الوخيمة لأهل الضلالة في ذلك اليوم ، وقال : « فَاحْذَرُوا نَاراً قَعْرُهَا بَعِيدٌ وَحَرُّهَا شَدِيدٌ ، وَعَذَابُهَا جَدِيدٌ » .
وبالنسبة لعمق وادي جنّهم يكفي أن ننقل هذا الحديث الشريف عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله عندما كان مع أصحابه في المسجد ، فجأة سمعوا صوتاً مدويّاً ، استولى عليهم الخوف ، وقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : « أتَعْرِفُونَ ما هذِهِ الهِدَّة » ؟ قالوا : اللَّه ورسوله أعلم ، فقال : « حَجَر أُلْقِي مِنْ أعْلى جَهَنَّمَ مُنْذُ سَبْعينَ سَنَةٍ ، الآنَ وَصَلَ إلى قَعْرِها » « 1 » .
وبالنسبة لشدّة حرارة جهنّم يكفي أن ننقل ما ورد في حديث شريف يقول عليه السلام :
« إِنَّ نَارَكُمْ هَذِهِ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ وَقَدْ أُطْفِئَتْ سَبْعِينَ مَرَّةً بِالْمَاءِ ثُمَّ الْتَهَبَتْ وَلَوْ لَاذَلِكَ مَا اسْتَطَاعَ آدَمِيٌّ أَنْ يُطِيقَهَا » « 2 » .
وعن أنواع العذاب وشدّته يوم القيامة يتحدّث القرآن الكريم ويقول : « كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذاب » « 3 » .
ثم يضيف الإمام عليه السلام في بيان عذاب النار : « دَارٌ لَيْسَ فِيهَا رَحْمَةٌ ، وَلَا تُسْمَعُ فِيهَا دَعْوَةٌ وَلَا تُفَرَّجُ فِيهَا كُرْبَةٌ » .
هامش
( 1 ) . منهاج البراعة ، ج 19 ، ص 89 ومثله في المعنى ورد في عوالي اللئالي ، ج 1 ، ص 280 .
( 2 ) . بحار الأنوار ، ج 8 ، ص 288 ، ح 21 .
( 3 ) . سورة النساء ، الآية 56 .