تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 318

مساهمون:

ص٣١٨
والآيات القرآنية الشريفة ، والمراد هنا بيان حال طائفتين من المؤمنين الخالصين والكافرين كذلك ، أمّا الأشخاص الذين ورد ذكرهم في الآية الشريفة من سورة التوبة : « خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً » ، فإنّهم قطعاً لم يكونوا مورد نظر الإمام عليه السلام في هذه العبارة . ثمّ إنّ الإمام عليه السلام بيّن شرط دخول الجنّة وسبب دخول النار في جملتين قصيرتين : « فَمَنْ أَقْرَبُ إِلَى الْجَنَّةِ مِنْ عَامِلِهَا ، وَمَنْ أَقْرَبُ إِلَى النَّارِ مِنْ عَامِلِهَا » . وهذا يشير إلى أنّ الأصل في تعيين مصير الإنسان هو العمل والسعي ، لا الآمال والتمنّيات ، فالأعمال هي التي تقود الإنسان إلى الجنّة أو إلى النار ، فحتّى شفاعة الشفعاء تقع في الهامش ولا تشكلّ أصلًا أساسياً في النجاة . والجدير بالذكر أنّ الإمام عليه السلام يقول هنا أنّ العاملين للجنّة هم أقرب الناس إليها ، والعاملين للنار ، أي السائرين في خطّ المعصية والضلالة ، هم أقرب الناس إلى النار ، ولم يقل إنّ العاملين للأعمال الصالحة والأعمال السيئة ، وهذا يعدّ كناية لطيفة عن أنّ العمل الصالح كأنّه هو الجنّة ، والمعصية والذنب والعمل الطالح كأنه هو النار . ثمّ يشيرالإمام عليه السلام إلى هذه النقطة المهمّة ، وهي أنّ الموت لا يترك أحداً ينجو منه ويتخلّص من الوقوع في مصيدته ، وبما أنّ الأمر ، كذلك فينبغي التزام الجدّية والاهتمام بهذا الأمر ، يقول : وَأَنْتُمْ طُرَدَاءُ « 1 » الْمَوْتِ ، إِنْ أَقَمْتُمْ لَهُ أَخَذَكُمْ ، وَإِنْ فَرَرْتُمْ مِنْهُ أَدْرَكَكُمْ ، وَهُوَ أَلْزَمُ لَكُمْ مِنْ ظِلِّكُمْ الْمَوْتُ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِيكُمْ « 2 » ، وَالدُّنْيَا تُطْوَى مِنْ خَلْفِكُمْ » .
هامش
( 1 ) . « طرداء » جمع « طريد » وقيل إنّها جمع « طريدة » من « الطرد » بمعنى الإبعاد ، وتأتي للشخص المحكوم بالنفيوالتبعيد عن المنطقة ، أو الصيد الذي يتبعه الصياد ولا يزال يبعده عن مكانه الأصلي . ( 2 ) . « نواصي » جمع « ناصية » بمعنى الشعر في مقدم الجبين ( ولا تعني الجبين نفسه ) وذكر بعض أرباب اللغة وهم قلة أنّ « ناصية » تعني القسم المقدّم من الرأس أو الشعر ، وبعضهم ذهب إلى أنّ الأصل فيها مقدّم الرأس والشعر في مقدم الرأس يطلق عليه ناصية بمناسبة نموّه على هذا القسم المقدّم ، ولكن موارد استعمال هذه الكلمة في القرآن الكريم يشير بوضوح إلى أنّ المعنى الأول أنسب ، لأنّ الوارد في القرآن في الكثير من الأدعية استعمال كلمة الناصية بهذا المعنى وخاصة مع كلمة أخذ ، ومعلوم أنّ ما يمكن أخذه والامساك به هو الشعر في مقدم الرأس بحيث يضطر صاحبه للتسليم والاذعان لا الجبين نفسه الذي لا يمكن الامساك والأخذ به ، وضمناً فقد وردت عبارة الأخذ بالناصية في كثير من الموارد كناية عن التسلط على الطرف المقابل .