لأنّ أكثر هذه الأنعام ملك له سوى ما تعلّقت به الزكاة وهو قليل : « فَإِنْ كَانَ لَهُ مَاشِيَةٌ « 1 » أَوْ إِبِلٌ فَلَا تَدْخُلْهَا إِلَّا بِإِذْنِهِ فَإِنَّ أَكْثَرَهَا لَهُ » .
ثمّ يضيف الإمام عليه السلام : « فَإِذَا أَتَيْتَهَا فَلَا تَدْخُلْ عَلَيْهَا دُخُولَ مُتَسَلِّطٍ عَلَيْهِ وَلَا عَنِيفٍ « 2 » بِهِ ، وَلَا تُنَفِّرَنَّ بَهِيمَةً وَلَا تُفْزِعَنَّهَا « 3 » ، وَلَا تَسُوأَنَّ صَاحِبَهَا فِيهَا » .
والمقصود من هذه العبارة ضرورة احترام ملكية المالكين لهذه الأنعام ، فلا تدخل على مكان الشياه أو الإبل بشكل عنيف بحيث تنفر هذه البهائم وتفزع منك ، بل يجب عليك مداراتها ورعايتها فلا تتحرّك بشكل يبعث على خوفها وفزعها ، لأنّ هذه الحيوانات وكذلك أصحابها يمكن أن يستاءوا من هذا الأسلوب ، وهذا كلام يعبّر عن غاية الأدب والخلق الذي ورد في توصية الإمام عليه السلام لعمّاله ، بحيث إنّه لا يهمل حتّى حقوق الحيوانات عند جمع الزكاة ، فكيف الأمر فيما يتّصل بحقوق الإنسان واحترام مشاعره وعواطفه ؟ !
ثمّ إنّ الإمام ومن أجل أن يقع التقسيم عادلًا في اختيار الأغنام أو الإبل للزكاة ولا يثير اعتراض أصحاب الأموال ، يوصي عامله بأن يستخدم القرعة في انتخاب مورد الزكاة حتّى لا يكون هناك إجحاف على المالك ولا على بيت المال وعندما يقترع على الشياه أو الإبل يخيّر صاحب المال في هذا المال ويقول : « وَاصْدَعِ « 4 » الْمَالَ صَدْعَيْنِ ثُمَّ خَيِّرْهُ ، فَإِذَا اخْتَارَ فَلَا تَعْرِضَنَّ لِمَا اخْتَارَهُ . ثُمَّ اصْدَعِ الْبَاقِيَ صَدْعَيْنِ ، ثُمَّ خَيِّرْهُ ، فَإِذَا اخْتَارَ فَلَا تَعْرِضَنَّ لِمَا اخْتَارَهُ . فَلَا تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يَبْقَى مَا
هامش
( 1 ) . « ماشية » في الأصل الطريق الذي يُسار عليه ، من مادة « مشى » ، ثم أطلقت على الدواب والأنعام من الإبل والبقر والغنم ، ولكن تطلق غالباً على الأغنام وجمعها مواشي ، وفي العبارة مورد البحث المقصود منها البقر والغنم بقرينة ذكر الإبل بعدها .
( 2 ) . « عنيف » بمعنى الخشن والصعب ، من مادة « عنف » على وزن « قفل » .
( 3 ) . « لا تفزعنّ » من مادة « فزع » بمعنى خاف وارتعد ، وعندما تأتي من باب إفعال تكون متعدّية وتعني التخويف والترهيب .
( 4 ) . « اصدع » من مادة « صدع » على وزن « صبر » وتعني الشق والفصل بين شيئين ، وهذه المفردة « صدع » تأتي اسممصدر وتعني القسم المنفصل عن الشيء .