يفضي ذلك إلى امتعاض الآخرين ويتصوّرون أنّ مبعوث الإمام عليه السلام تربطه مع صاحب الدار رابطة خاصّة ولذلك ترك القدوم عليهم والدخول إلى بيوتهم ، وعلى ضوء ذلك يأمر الإمام عليه السلام عامله أن ينزل إلى جانب عيون الماء أو الآبار ويختار منها ما يقع في طريقهم ومورد عبورهم ، والواقع أنّ هذا المكان يمثّل مركزاً لالتقاء جميع أفراد الحيّ ، والظاهر أنّ المأمور على جمع الصدقات لا يتوجّه إلى هذه المناطق منفرداً ، بل يصطحب معه بعض الأفراد الذين يعينونه على أموره ويحملون معه الخيمة ولوازمها ، والعلف وما إلى ذلك ، فينصبونها إلى جانب غدير الماء أو العين ويقيمون في ذلك المكان .
ثمّ يضيف الإمام عليه السلام : « ثُمَّ امْضِ إِلَيْهِمْ بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ ؛ حَتَّى تَقُومَ بَيْنَهُمْ فَتُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ ، وَلَا تُخْدِجْ بِالتَّحِيَّةِ لَهُمْ » .
ومعلوم أنّ التوجّه إلى القوم بسكينة ووقار وإلقاء السلام والتحيّة عليهم يثير في قلوبهم الطمأنينة ويتسبّب في شرح صدورهم وزوال كلّ أشكال الخوف والرهبة من قلوبهم .
والغرض من هذه التوصيات تطهير الذهنية في العرف العامّ من الرسوبات التي اختزنتها الذاكرة عن العشّارين وجباة الضرائب في عصر الملوك وامراء الظلم والجور ، حيث يأمرون جباتهم وأزلامهم بأخذ الضرائب والعشور والخراج من الناس بأساليب خشنة ، فكان الناس يتصوّرون أنّ وجود هؤلاء الجباة والعشّارين بمثابة البلاء السماويّ عليهم .
ومع الأخذ بنظر الاعتبار جملة « لَا تُخْدِجْ » من « الخداج » ( على وزن علاج ) تعني في الأصل الجمل الذي يولد ناقص الخلقة أو قبل موعده ، ثمّ أطلقت هذه الكلمة على كلّ أمر ناقص ، ويستفاد من هذه العبارة أنّ الإمام عليه السلام يروم التأكيد على هذه الحقيقة ، وهي أن لا يقصّر مبعوثه في التحيّة والسلام وحسن الخلق في التعامل مع المواطنين ولا يتعامل مع الناس كما يتعامل الكثير من المأمورين والمسؤولين
نفحات الولاية — صفحة 269
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٢٦٩