تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 404

مساهمون:

ص٤٠٤
ثم قال عليه السلام : « وارغبوا فيما وعد المتقين فانّ وعده أصدق الوعد ، واقتدوا بهدي نبيّكم فانّه أفضل الهدى ، واستنوا بسنته فانّها أهدى السنن » . لاشك أنّ الوعود الإلهية للمطيعين والمؤمنين الصالحين لهي أصدق الوعود ، لأنّ من يتخلف عن الوعد إمّا عاجز ، أو بخيل أو جاهل ، حيث يعد دون علم ، ثم لا يفي بوعده . أمّا من كان مطلق في علمه وقدرته فخلف الوعد محال عليه . المراد بالهدى ( على وزن منع ) السبيل والأسلوب والطريقة . والسنة تعني ما يصدر من الأوامر في مختلف المجالات ، ولما كان رسول اللَّه صلى الله عليه وآله هو خاتم الأنبياء ، فمن الطبيعي أن تكون سنة أهدى السنن . ثم أكد الإمام عليه السلام على القرآن فقال : « وتعلموا القرآن فانّه أحسن الحديث ، وتفقهوا فيه ، فانّه ربيع القلوب ، واستشفوا بنوره فإنه شفاء الصدور ، وأحسنوا تلاوته فانّه أنفع القصص » . فقد ذكر الإمام عليه السلام أربع مراحل مختلفة تتقدم كل واحدة منها بصورة طبيعية على الأخرى . في المرحلة الأولى أوصى عليه السلام بتعلم القرآن على أنّه أحسن الحديث ؛ وذلك لاشتماله على أكمل أسس سعادة الإنسان . المرحلة الثانية أوصى عليه السلام بالتفكير والتدبر فيه وسبر غوره والوقوف على معناه ومضمونه ، بفضله ربيع القلوب ، فكما تتفتح البراعم في فصل الربيع وتورق الأشجار وتنبت الأوراد والزهور وتنتشر رائحتها العطرة في كل مكان ، فببركة القرآن الكريم تظهر على القلب زهور فضائل الأخلاق وبراعم المعارف الإلهية ، فمن لم يكتسب منه الحياة الإنسانية ، كان كالشجرة اليابسة التي لاتهتز وتتحرك في فصل الربيع . المرحلة الثالثة الأمر بالعمل والقول : عليكم بالاستشفاء بنور آيات اللَّه ، على غرار نور الشمس التي يستشفى في ظلها المرضى ، فقد قيل أشعة الشمس قد تغني عن حضور الطبيب . والمرحلة الرابعة : « أحسنوا تلاوته » لتغوص القلوب فيه وتطبع بطابعه فتبلغه إلى الآخرين . وهكذا يكون الإمام عليه السلام قد حدد وظيفة الأفراد تجاه القرآن الكريم . وليت الأفراد لم يكتفوا بالاقتصار على حسن تلاوة القرآن وتجويده والتركيز على جمالية الصوت ، والتفتوا إلى سائر
نفحات الولاية — صفحة 404 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي