تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 405

مساهمون:

ص٤٠٥
المراحل التي تشكل الدف الأصلي للقرآن . وقد عبرت العبارة الأولى عن القرآن على أنّه أحسن الحديث ، والعبارة الأخيرة أنفع القصص . فالحديث ما يصدر من المتحدث من كلام ( لأنّ الحديث من مادة حدوث ويطلق على الكلام الحديث لأنّه حادث باستمرار ) فالمفهوم أنّ القرآن أفضل كلام بين الناس ، من حيث الفصاحة والبلاغة ، ومن حيث المحتوى والمضمون ، والواقع هو أنّ العبارة إشارة إلى الآية الشريفة : « اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ » « 1 » . أمّا أحسن القصص فقد ذهب بعض شرّاح نهج البلاغة إلى أنّ المراد بها المجموعة القرآنية بما فيها الآثار والنتائج العلمية للقرآن التي تتحصل في ظل اجراء الأحكام والتعاليم القرآنية . ومن هنا وردت الإشارة في آخر الخطبة إلى نقطة مهمّة بالنسبة للعالم الذي لاعمل له ، وأولئك الذين يتلون القرآن ولايعملون به ، إذ قال عليه السلام : « إنّ العالم بغير علمه كالجاهل الحائر الذي لايستفيق « 2 » من جهله ، بل الحجة عليه أعظم ، والحسرة ألزم ، وهو عند اللَّه ألوم « 3 » » . فالعبارة تشتمل على تشبيه رائع للعالم بلا عمل ( أو بتعبير الإمام عليه السلام العالم الذي لا يعمل بعلمه ) يفيد أنّ مثل هذا العالم أقل درجة في الواقع من الجاهل العادي . بل هو كالجاهل الحائر الذي لا يفيق من جهله قط ، فليس هنالك من أمل في هدايته ؛ وذلك لأنّه يسير عن علم على الطريق الأعوج ، ومن هنا فان اللَّه سبحانه يسلبه توفيق الهداية فيفقد صوابه في هذه الحيرة ولا يصل ساحل النجاة أبدا فيسقط في الهاوية . ثم أشار عليه السلام إلى مدى بؤس مثل هذه العالم السادر في غيه فقال عليه السلام أولًا بأنّ الحجة عليه أعظم ، فقد يتذرع الجاهل بجهله ( إن يكن الجهل عذراً ) ولكن ما عذر العالم بلا عمل . والثاني حسرته لازمة ، فقد تخلف عن السعادة وكانت كافة أسبابها لديه فتاه حائراً في صحراء الحياة .
هامش
( 1 ) سورة الزمر / 17 . ( 2 ) « يستفيق » من مادة « استفاقة » بمعنى تحسن الحالة الصحية بعد المرض والوعي بعد السكر واليقظة من‌النوم وجاءت هذه الكلمة في هذه الخطبة بالمعنى الثالث أي اليقظة من النوم . ( 3 ) « ألوم » من مادة « لوم » على وزن قوم بمعنى العتب ، ومع الأخذ بنظر الاعتبار بان « ألوم » هي صيغه أفعل تفضيل ، وهنا تعني الملامة ، وهو الأنسب .