العالم المزيف إنّما أجاء هذا الفن في الخداع والتضليل إثر تعلمه ممن سبقه ، فوظف ما تعلم في هذا الانحراف دون أن يجعل جهاده وسعيه للعلم والعمل في خدمة الحق ، وهذا لعمري قمة البؤس والشقاء . ولعل الفارق بين
« جهائل » و « أضاليل »
أن جهائل ( جمع جهالة ) تعني الجهل المركب ؛ أي أنّه جاهل ولا يدري أنّه كذلك ( ولا يدري أنّه لا يدري ) أمّا أضاليل ( جمع أضلولة ) فهي تعني الأمور المضلة التي يتجه إليها عن علم . ثم قال في الصفة الثالثة
« ونصبللنّاس أشراكاً « 1 » من حبائل غرورٍ ، وقول زورٍ » ؛
ياله من تعبير رائع ! نعم فهو كالصياد الذي ينشر الحبوب فيجعلها فخاً للطيور والحيوانات البلهاء ، فيبيعها ويتغذي على لحومها ، وهذا ما يفعله هذا العالم المزيف تجاه السذج من الناس فيجني أطماعه المادية ومنافعه الشخصية . وما أبرز مصاديق هؤلاء على مر التأريخ في كل عصر ومصر ، الذين يسخرون الدين لخدمة دنياهم ، فقد جاء في الخبر أنّ الإمام عليه السلام وصف عبداللَّه بن الزبير قائلًا :
« ينصب حبالة الدين لاصطياد الدنيا » « 2 »
( وقد قال الإمام عليه السلام ذلك حين لم تتضح شخصيته ويكشف عن مواقفه ) . ثم قال في الصفة الرابعة :
« قد حمل الكتاب على آرائه وعطف الحقّ على أهوائه » ،
بالضبط على عكس العالم الذي طالعتنا صفاته في أنّه أمكن الكتاب من زمامه وجعله قائده وإمامه ، يحل حيث حل ثقله ، وينزل حيث كان منزله ، فهو تابع للقرآن بكل كيانه . والحق ليس هنالك من وسيلة أفضل من هؤلاء المزيفين للتعرف على العلماء العاملين . فذاك الذي جعل القرآن قائده وإمامه هو العالم المخلص ، أمّا هذا الذي يفسر القرآن برأيه ويسعى لتطبيق القرآن على متطلباته ورغباته . لهو عالم سوء مزيف . وقد جاء في الحديث عن رسولاللَّه صلى الله عليه وآله أنّه قال :
« من فسر القرآن برأيه فليتبوء مقعده من النار » « 3 »
. كما عنه صلى الله عليه وآله أنّ اللَّه سبحانه وتعالى قال :
« ما آمن بي من فسر برأيه كلامي » « 4 »
والدليل واضح فمن آمن باللَّه علم أنّ الحق ما كان من اللَّه ، فان رأى غييره الحق فهو على خطأ . كما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال :
« من فسرّ برأيه
هامش
( 1 ) « اشراك » جمع « شرك » بمعنى اشباك الصياد .
( 2 ) الكنى والألقاب 1 / 294 .
( 3 ) عوالي اللئالي 4 / 104 .
( 4 ) بحارالأنوار 89 / 107 ، ح 1 .