أدلتها المعروفة ( الكتاب والسنة والإجماع والعقل ) مفتوح على الدوام ؛ الأمر الذي رقى بالفقه الإسلامي وأخذ بيده نحو الكمال . بينما نعلم أنّ فريقاً من المسلمين قد ذهب إلى غلق باب الاجتهاد ، ليحصره ويجعله حكراً على الأئمة الأربع ! رغم عدم قلّة الأفراد الذين كانوا يفوقونهم علماً في الأمة الإسلامية ، فالواقع ليس هنالك من دليل يدعو إلى حصر الاجتهاد في ذلك العدد المذكور . في حين تحدث الإمام عليه السلام في هذه الخطبة عن خصائص المسلم المخلص العالم وفي مقدمتها اجتهاده في أحكام الدين فقال :
« قد نصب نفسه للّه - سبحانه - في أرفع الأمور ، من إصدار كلّ واردٍ عليه ، وتصيير كلّ فرعٍ إلى أصله ، مصباح ظلماتٍ ، كشّاف عشواتٍ مقفتاح مبهماتٍ ، دفّاع معضلاتٍ »
كما أشار ضمنياً في عدة مواضع من هذه الخطبة إلى الشرائط التي ينبغي توفرها في الفقيه المجتهد ، والتي تدل على أن الفقيه لايتصدى لهذه المسؤولية الخطيرة مالم تكن له رابطة خالصة بالحق سبحانه وتعالى . وهذا وقد تناولنا في شرحنا للخطبة الثامنة عشرة في المجلد الأول أهمية الاجتهاد وفتح بابه أمام العلماء ، إلى جانب الحديث عن الاضرار الفادحة التي أفرزتها فكرة الاعتقاد بغلق باب الاجتهاد من قبل فقهاء العامة .
2 - شمولية القرآن
لقد أشار الإمام عليه السلام كراراً ومراراً في أغلب خطب نهجالبلاغة إلى أهمية القرآن الكريم ، فكان يتناول أحد الأبعاد في كل خطبة . وقد تحدث في هذه الخطبة عن خصائص العبد المخلص ، فكان من بينها تسليمه المطلق لكلام اللَّه ، بحيث جعل القرآن قائده وإمامه ليتبعه في حركاته وسكناته ، وبعبارة أخرى فهو ينظر إلى القرآن كمحور لكافة جوانب حياته ، لا وسيلة لتوجيه عقائده وأفكاره ، فهو على العكس من أولئك الذين يتشدقون بتبعبتهم للقرآن ، بينما يسعون لتكييف القرآن ومتطلباته وآرائهم ، ليكونوا مصداقا لقوله : « وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ » « 1 » . فما لاينجسم ورغباتهم نسوه وهجروه ، ولو كان ظاهره لايخدمهم عمدوا
هامش
( 1 ) سورة النساء / 150 .