تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 335

مساهمون:

ص٣٣٥
ما يقولون ويكتبون بهالة من التعقيد والابهام ليفهموا الآخرين بمستواهم العلمي ، والحال لايجني القارئ أو المستمع سوى المفاهيم المغلقة التي لاجدوى من ورائها ؛ أمّا العلماء المخلصون فلا يصابون بهذه الأمراض ، فهم لايرومون من كلامهم سوى هداية الطرف المقابل ، أمّا سكوتهم فلا يستند إلى الهروب من المسؤولية والخلود إلى الراحة والدعة ، بل لايرومون من سكوتهم سوى السلامة من الخطيئة والاثم ومجانبة الهوى ومعصية اللَّه . ثم أشار عليه السلام إلى مقام هذا العارف الإلهي فقال : « قد أخلص للّه فاستخلصه » ، يمكن أن تكون هذه العبارة إشارة إلى نقطة لطيفة وهى أنّ الشوائب الأخلاقية للإنسان على قسمين : قسم قابل للرؤية ويمكن التغلب عليه من خلال الجهاد الأكبر وإصلاح النفس ، بينما يتعذر رؤية القسم الآخر . واللَّه سبحانه في عون من ينتصر في المرحلة الأولى . وقد صورت الروايات الإسلامية الشرك بأعظم صورة حيث قالت : « إنّ الشرك أخفى من دبيب النمل ، على صفاة سوداء ، في ليلة ظلماء » « 1 » . ومن الطبيعي أن تطهير القلب من هذا الشرك لا يبدو سهلًا إلّافي ظل العناية الإلهية . ثم أردف الإمام عليه السلام تلك الصفات الثلاث بصفتين فقال : « فهو من معادن ، دينه وأوتاد عرضه » ، نعم من خلص كيانه من كل الجوانب وكان عمله هو التربية والتعليم فهو بمنزلة المعدن الذي لا يفنى والذي تستخرج منه المجوهرات والفلزات الثمينة ، وهو كالجبل الراسخ الذي لاتزعزعه عواصف الشرك ورياح الذنوب والمعاصي والوساوس والمكائد الشيطانية التي تتقاذف الإنسان وتلقى به في مهالك الردى ، وقد عبر عنه القرآن الكريم بوتد الأرض الذي يحفظها من الزلازل : « ألم نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهاداً * وَالجِبالَ أَوْتاداً » « 2 » وتشبيه هذا العالم الرباني والعبد المخلص بالجبل إلي يمثل وتد الأرض تفيد عظم بركته على المجتمع الإسلامي . فمثل هذا الفرد هو الذي يحفظ المجتمع الإسلامي من عواصف الانحراف والفساد . ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه بالإشارة إلى أربع صفات أخرى من صفات هذا العالم الرباني فقال : « قد ألزم نفسه العدل ، فكان أوّل عدله نفي الهوى عن نفسه » فنحن نعلم بأنّ حقيقة العدل الخلقي أن تكون كافة صفات ومميزات الفرد منسجمة وحد الاعتدال والاتزان ، بحيث لاتنطوي
هامش
( 1 ) بحارالأنوار 69 / 93 . ( 2 ) سورة النبأ / 6 - 7 .