شخصيته على الرغبات المفرطة التي تسوقه إلى الهوى ، إلى جانب عدم الانزواء والتقوقع عن الدنيا ، فلابد له أن يستسيغ الحلال ويمج الحرام ويسلك خط الاعتدال . فالعبارة
« أول عدله . . . »
تفيد انطلاقه في العدل من ذاته ، والحق أنّه مالم يكن كذلك فليس لكلامه من أثر في الآخرين في الدعوة إلى العدالة . ثم قال في الصفة الثانية
« يصف الحقّ ويعمل به »
فإن كان نصيرا للحق لم يقتصر ذلك على لقلقة اللسان ، بل كانت دعوته ونصرته للحق على مستوى السلوك والأفعال قبل اللسان والأقوال ، وذلك لأنّ كلامه النابع من إيمانه واعتقاده إنّما ينعكس مباشرة على سلوكه وتصرفه ، ولولا ذلك الانعكاس لأفاد الأمر عدم إيمان ذلك الفرد بما يقول . ثم قال عليه السلام في الصفة الثالثة :
« لا يدع للخير غايةً إلّا أمّها ، ولا مظنّةً إلّا قصدها »
انه طالب كل خير وإحسان وسعادة ، بل يقتفي آثار حتى تلك الحالات التي يرتجى من وراءها خيراً ، فهو عاشق للخير وكأنّه ذلك الفرد الذي يبحث عن ضالته النفيسة ، فهو لا ينفك عن مطاردتها هنا وهناك . وقال في الصفة الرابعة
« قد أمكن الكتاب من زمامه ، فهو قائده وإمامه ، يحلّ حيث حلّ ثقله ، « 1 » وينزل حيث كان منزله »
وهكذا يرى هذا العبد المخلص نفسه مكلّفاً بهداية الناس منطلقاً قبل ذلك من إصلاح نفسه واجتثاث جذور الهوى من أعماقها ؛ فلسانه يصدع بالحق دائماً ، كما يعمل بهذا الحق إلى جانب سعيه الدؤوب خلف الصالحات وأعمال الخير ، والأهم من كل ذلك أنّه جعل القرآن إمامه الذي يقوده حيث شاء فقد فوض إليه كافة أموره ، فكانت سكناته وحركاته مستندة إلى القرآن .
تأمّلان
1 - فتح باب الاجتهاد
يرى أتباع مدرسة أهلالبيت عليهم السلام أنّ باب الاجتهاد واستنباط الأحكام الشرعية من
هامش
( 1 ) « ثَقَل » على وزن أجل ، وله معان مختلفة ، ففي بعض الأحيان يأتي بمعنى أمتعة المسافر وأحيانا بمعنىالاشياء الثمينة .
و « حل » بمعنى نزل في منزل جديد وحل الرحال فيه ، والجملة الواردة أعلاه ، كناية عن أن المؤمن المخلص والسائر على هدى القرآن الكريم ، فان حاله كحال المسافر الذي سار وراء قافلة كلما نزلت القافلة في مكان وحلت رحالها ، فإنه يتبع هذه القافلة فينزل معها ويحل رحاله معها .