القسم الثاني : خصائص المخلصين
« قَدْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلَّهِ - سُبْحانَهُ - فِي أَرْفَعِ الْأُمُورِ ، مِنْ إِصْدارِ كُلِّ وارِدٍ عَلَيْهِ ، وتَصْيِيرِ كُلِّ فَرْعٍ إِلَى أَصْلِهِ ، مِصْباحُ ظُلُماتٍ ، كَشَّافُ عَشَواتٍ خشوات مقِفْتاحُ مُبْهَماتٍ ، دَفَّاعُ مُعْضِلاتٍ ، دَلِيلُ فَلَواتٍ ، يَقُولُ فَيُفْهِمُ ، يَسْكُتُ فَيَسْلَمُ ، قَدْ أَخْلَصَ لِلَّهِ فاسْتَخْلَصَهُ ، فَهُوَ مِنْ مَعادِنِ ، دِينِهِأَوْتادِ أَرْضِهِ ، قَدْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ الْعَدْلَ ، فَكانَ أَوَّلَ عَدْلِهِ نَفْيُ الْهَوَى عَنْ نَفْسِهِ ، يَصِفُ الْحَقَّ ويَعْمَلُ بِهِ ، لا يَدَعُ لِلْخَيْرِ غايَةً إِلَّا أَمَّها ، ولا مَظِنَّةً إِلَّا قَصَدَها ، قَدْ أَمْكَنَ الْكِتابَ مِنْ زِمامِهِ ، فَهُوَ قائِدُهُ وإِمامُهُ ، يَحُلُّ حَيْثُ حَلَّ ثَقَلُهُ ، وَيَنْزِلُ حَيْثُ كانَ مَنْزِلُهُ » .
الشرح والتفسير
تطرق الإمام عليه السلام في هذا المقطع من الخطبة إلى نقطة مهمة مكملة للقسم السابق ، وهى أنّ العبد المخلص للَّه - الذي دار الحديث عنه سابقاً - بعد أن يتم مرحلة تهذيبالنفس والوصول إلى المقامات العالية في العلم والعمل والتقوى يهب لهداية الخلق ويصبح رائدا على الطريق لينجي الناس من ظلمات الجهل والوهم والضلال . فالواقع أنّ مثل هذا العبد ما إن يجتاز مرحلة السير إلى الحق وفى الحق حتى يستأنف مرحلة السير إلى الخلق فينهض بعبئ تبليغ الرسالة التي حمل مشعلها الأنبياء . فقد قال عليه السلام :
« قد نصب نفسه للّه - سبحانه - في أرفعالْأمور » ،
آنذاك خاض الإمام عليه السلام في شرح هذه الوظائف بعبارات قصيرة بعيدة المعاني فقال :
« من إصدار كلّ واردٍ عليه ، وتصيير كلّ فرعٍ إلى أصله » ،
فالعبارة تشير إلى نقطة مهمّة وهى أنّ هذا العبد العالم المخلص قد إنطوى على إحاطة بعلوم الدين وأحكامه إلى درجة