تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الولاية — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
الشكر والثناء . وقال عليه السلام « قائماً بأمرك ، مستوفزاً « 1 » في مرضاتك » فالقيام بالأمر إشارة إلى جدية الأوامر الإلهية لأنّ الإنسان ينهض من أجل القيام بالأعمال الجادة . فالتعبيران لايشيران إلى مدى امتثال النبي صلى الله عليه وآله لأحكام السماء فحسب ، بل كان يسارع إلى الاتيان بكل ما يرضى اللَّه سبحانه وان لم تصدر إليه الأوامر . ثم قال عليه السلام : « غير ناكلٍ « 2 » عن قدمٍ ، « 3 » ولاواهٍ في عزمٍ » فكثير هم الجديون في قرارتهم والانطلاق في أعمالهم ، إلّاأنّهم يضعفون في الاستمرار والمواصلة ، والمهم أن يواصل الإنسان نشاطه وعمله . ويفيد التأريخ أنّ النبي صلى الله عليه وآله لم ينكل أو يضعف أمام الوساس والضغوط ، كما لم يكن يلين تجاه أي مبادرة منحرفة ، ومن ذلك قوله « واللّه لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن اترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره اللّه أو أهلك دونه » « 4 » . ثم قال عليه السلام : « واعياً « 5 » لوحيك ، حافظاً لعهدك ، ماضياً على نفاذ أمرك » . ثم أشار الإمام عليه السلام إلى النتيجة التي تمخضت عنها جهود النبي صلى الله عليه وآله وتضحيته « حتّى أورى « 6 » قبس « 7 » القابس ، وأضاء الطّريق للخابط ، « 8 » وهديت به القلوب بعد خوضات « 9 » الفتن والْآثام » . والعبارة تلمح إلى سرعة انتشار الإسلام واشراقة شبه الجزيرة العربية التي كانت مهد الكفر والشرك ومركز الجهل والجريمة ، ولا يشك في هذه الحقيقة من كان له أدنى إلمام بالتأريخ الإسلامي ؛ الأمر الذي اعترف به حتى خصوم الدعوة . ثم قال عليه السلام : « وأقام بموضحات‌الأعلام ، ونيّرات الأحكام » . فالواقع وبغية الحيلولة دون تلكؤ أصحاب الحق في
هامش
( 1 ) « مستوفز » من مادة « استيفاز » بمعنى المسادع المستعجل . ( 2 ) « نأكل » من مادة « نكول » بمعنى الناكص والمتأخر . ( 3 ) « القدم » بضمتين المشيي إلى الحرب ومضى قدما سار ولم يخرج . ( 4 ) الكامل لابن أثير 1 / 489 ( كما ورد هذا الكلام في سيرة ابن‌هشام وتأريخ الطبري ) . ( 5 ) « واعيا » أي حافظا وفاهما ، وعيت الحديث فهمته وحفظته . ( 6 ) « أورى » من مادة « ورى » على وزن نفي بمعنى اشعال النيران وعليه فان ( اورى ) فعل متعدي . ( 7 ) « القبس » على وزن قفص بمعنى شعلة من النار . ( 8 ) « خابط » من مادة « خبط » على وزن ضبط بمعنى الحركة في طريق غير صحيح ، وكذلك تأتي بمعنى عدم التعادل أثناء المسير أو القيام . ( 9 ) « خوضات » جمع « خوضة » من مادة « خوض » على وزن حوض ، وفي الأصل يأتي بمعنى الدخول التدريجي في الماء ، والسير والسباحة في الماء ، وكذلك يأتي كناية عن معنى الدخول أو البدء بعمل أو خطاب سئ وغير مطلوب .