حافظ السماوات بما فيها السيارات والثوابت والمجرات بواسطة القوى الجاذبية اللامرئية ؛ وهى القوى التي تحفظها بحيث لا تتغير المسافة بين كرات المنظومة الشمسية رغم مرور ملايين السنين ؛ الأمر الذي أشار إليه القرآن الكريم : « وَإِنْ مِنْ شَيءٍ إِلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً » « 1 » . أما العبارة
« وجابل القلوب »
فهي إشارة إلى العلوم الفطرية والإلهية والغرائز والرغبات النافعة التي أودعها اللَّه باطن الإنسان ؛ العلوم والغرائز والرغبات التي تمثل الوسائل التي يوظفها الإنسان في مسيرته نحو السمو والتكامل والسير إلى اللَّه إلى جانب الرقي المادي والمعنوي . ولعل هنالك من يعتقد أن اللَّه أودع الشقاء والسعادة ذات الإنسان ، بحيث هناك السعداء ذاتاً والأشقياء ذاتاً ، والحال لا تفيد العبارة الواردة في الخطبة مثل هذا المعنى ، بل تصرح العبارة بأنّ اللَّه أودع هذه العلوم كافة أفراد البشر من آل أمره إلى السعادة أو الشقاء ، وان إعتمدها البعض ووظفها من أجل السعادة وتجاهلها البعض الآخر ليزج بنفسه في وادي البؤس والشقاء ؛ ولعل الحديث المعروف
« كلّ مولودٍ يولد على الفطرة . . . » « 2 »
يشير إلى هذا المعنى . فمن الواضح أنّ السعادة والشقاء لو كانا ذاتيين وكل فرد مجبر على سلوك السبيل الذي عين له سبقاً ، أن يكون من العبث بعث الأنبياء وانزال الكتب السماوية والتكاليف والمسؤوليات والأحكام الشرعية والثواب والعقاب ، وبكلمة واحدة كافة المسائل المرتبطة بالتربية والتعليم وآثارها ومعطياتها ؛ الأمر الذي لايقره العقل ولا الشرع . قال القرآن : « إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمّا شاكِراً وَإِمّا كَفُوراً » « 3 » . كما قال في موضع آخر : « وَنَفْسٍ وَما سَوّاها * فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها » « 4 » . فالواقع هو أن الحق سبحانه أرشد الإنسان إلى طرق السعادة والشقاء دون أنّ يجبره على شئ ، فهو مختار في أي سبيل سلك ، ومن هنا كان مسؤولا أمام اللَّه وضميره .
هامش
( 1 ) سورة فاطر / 41 .
( 2 ) ورد مضمون هذا الحديث في عدة روايات تناهز العشرين ، رواها المرحوم العلّامة المجلسي فيبحارالأنوار 3 / 276 - 281 ، كتاب التوحيد .
( 3 ) سورة الدهر / 3 .
( 4 ) سورة الشمس / 7 - 8 .