« اللّهمّ وأعل على بناء البانين بناءه ، وأكرم لديك منزلته »
والمراد بالبناء هنا إمّا دين النبي صلى الله عليه وآله الذي سأل اللَّه إظهاره وعلوه على سائر الأديان ، وإمّا مقامه صلى الله عليه وآله وعلوه على من سواه .
وتضرع عليه السلام قائلًا :
« وأتمم له نوره ، واجزه من ابتعاثك له مقبول الشّهادة ، ومرضي المقالة ، ذا منطقٍ عدلٍ ، وخطبةٍ فصلٍ »
والجدير بالذكر في هذا الدعاء أنّه عدّ شفاعة النبي صلى الله عليه وآله للُامّة جزاء تبليغه الرسالة ؛ الأمر الذي تعود بركته على الامّة وهذا ما يمثل قمة لطفه وكرمه عليه السلام .
كما أشارت العبارة إلى أنّ شهادته وشفاعته صلى الله عليه وآله ليست إعتباطية فمنطقه العدل وحديثه الفرقان بين الحق والباطل ، فإذا شفع لشخص أو جماعة فقد توسم فيهم الشفاعة ، وهذا ما أوردناه في بحث الشفاعة ، في أنّها خاضعة لقانون وليست عبثية ، بل للشفاعة مقدماتها التي تكمن في الأهلية والاستحقاق ، وبعبارة أخرى لابدّ أن تكون هنالك رابطة معنوية قائمة بين الشفيع والمشفع فيه ، وإلّا فمن قطع هذه الرابطة فهو لا يستحق الشفاعة ، ولعل هذه الشفاعة هي المقام الذي أشارت إليه الآية القرآنية : « وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً » . « 1 »
ثم يختتم الإمام عليه السلام خطبته بالدعاء له وصحبه :
« اللّهمّ اجمع بيننا وبينه في برد العيشقرار النّعمة ، ومنى الشّهوات ، وأهواء اللّذّات ، ورخاء الدّعة ، « 2 » ومنتهى الطّمأنينة ، وتحف الكرامة »
ويبدو أن هذه هي خصائص الجنّة من قبيل السكينة والكرامة الإلهية والنعم الطيبة والمعنوية والمادية إلى جانب البقاء والخلود .
تأمّل : معطيات الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله
لقد تضمنت الخطبة أزكى الصلوات والتحيات على النبي الأكرم صلى الله عليه وآله ؛ الأمر الذي ينبهنا إلى عظم هذه المسألة التي صرحت بها التعاليم الإسلامية . فالواقع هو أن الروايات الإسلامية
هامش
( 1 ) سورة الإسراء / 79 .
( 2 ) « دعة » من مادة « وداع » بمعنى الانفصال والترك وتخلية السبيل ، ومن هنا يطلق هذا الاصطلاح على كلشيء يتركه الانسان ، ويبقى بدون حركة وبحالة من الهدوء . وهذا الاصطلاح يأتي أحيانا بمعنى الهدوء ، وقد جاء في الخطبة أعلاه بهذا المعنى .