مسيرتهم ، لابدّ من نصب العلامات الدالة على الطريق وأضاءت كافة ظلماته ، وهذا ما فعله رسولاللَّه صلى الله عليه وآله حين أضاء كل معالم الطريق ونصب الأدلاء عليه . ومن ذلك الأحكام المتعلقة بالصلوات اليومية وصلاة الجمعة - وبمراسها الخاصة - وحج بيتاللَّه الحرام التي من شأنها هداية أتباع الحق وصدهم عن الحيرة والضلال ، إلى جانب بيانه للأحكام ذات الصلة بالقضايا الاجتماعية والتربوية والسياسية والاقتصادية . ثم يختتم عليه السلام هذا الفصل من الخطبة بخمس صفات أخرى للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله فقال :
« فهو أمينك المأمون ، وخازن علمك المخزون ، وشهيدك يوم الدّين ، بعيثك بالحقّ ، ورسولك إلى الخلق »
فبعض هذه الصفات مقدمة وبعضها الآخر نتيجة . فكونه أمين اللَّه وخازن علمه إنّما هي مقدمة من أجل الرسالة إلى الخلق والبعث بالحق ، كما أنّ شهادته يوم القيامة إنّما تمثل نتيجة هذه الرسالة . أمّا قوله عليه السلام :
« أمين مأمون »
هو تأكيد لمدى أمانته صلى الله عليه وآله وإشارة إلى العصمة المشروطة في النبوة . وأمّا قوله عليه السلام :
« خازن علمك المخزون »
، فالمراد به علمه صلى الله عليه وآله باسرار الغيب ، وقد أشرنا إلى ذلك في حينه إلى تعذر قيام الأنبياء والأئمة بوظيفتهم بصورة تامة دون العلم بتلك الاسرار والخفايا ، وقد أشار القرآن بهذا الشأن :
« عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُك مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً * لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ » « 1 »
والعبارة
« شهيدك يوم الدين »
مستوحاة من الآية 143 من سورة البقرة : « وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً » والآية 89 من سورة النحل : « وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ . . . » التي تشير إلى شهادة النبي صلى الله عليه وآله على أعمال الامّة وشهادته على شهداء سائر الأمم .
ولما كانت الشهادة من فروع العلم ، فان هذه التعبيرات تشكل دليلًا آخر على علمه صلى الله عليه وآله بأسرار الغيب .
هامش
( 1 ) سورة الجن / 26 - 28 .