ولكن مع كل الأهميّة لمقولة التشاور لابدّ من الالتفات بدقّة إلى شروط المشورة والمشاور ، لأنّه لا يمكن اتخاذ أي شخص بعنوان مشاور وخاصّة في الأعمال المهمّة والقضايا الحساسة ، فلابدّ من توفر شروط معينة في الشخص المشاور ، وإلّا فالتشاور مع الأشخاص الفاقدين لهذه الشروط ربّما ينتج نتائج عكسية ويدفع بالشخص إلى هوة الضلالة ويزيد المشكلة تعقيداً .
يقول الإمام الصادق عليه السلام في هذا الصدد :
« إنّ المَشورَة لاتَكُونُ إلّابِحُدُودِها ، فَمَنْ عَرَفها بِحُدُودِها ، وإلّا كَانَتْ مَضَرَّتُها عَلى المُستَشِير أَكثَرَ مِنْ مَنفَعَتِها لَهُ :
فَأَوَّلُها : أَنْ يَكُونَ الّذي يُشاوِرُهُ عاقِلًا .
وَالثّانِيةُ : أنْ يَكُونَ حُرّاً مُتَديِّناً .
وَالثّالِيةُ : أنْ يَكُونَ صَديقاً مُؤاخياً .
وَالرَّابِعَةُ : أَنْ تُطلِعَهُ عَلى سِرِّكَ فَيَكَونَ عِلْمُهُ بِهِ كَعِلمِكَ بِنَفسِكَ ، ثُمَّ يَستُرَ ذَلِكَ وَيَكتُمَهُ ، فَإنَّهُ إِذا كَانَ عاقِلًا ، انتَفعَتْ بِمَشوَرَتهِ ، وإذا كَانَ حُرّاً مُتَديِّناً جَهَدَ نَفسَهُ فِي النّصِيحةِ لَكَ ، وإِذا كَانَ صَدِيقاً مُؤاخياً كَتَمَ سِرَّكَ إِذا أطْلَعْتَهُ عَلَيهِ ، وإِذا أطْلَعْتَهُ عَلى سِرِّكَ فَكَانَ عِلمُهُ بِهِ كَعِلمِكَ بِهِ تَمَّتِ المَشورَةُ » « 1 » .
ولهذا السبب نرى أنّ إمام العارفين وأميرالمؤمنين علي عليه السلام منع « مالك الأشتر » في عهده التاريخي من التشاور مع عدّة أشخاص وفئات :
« وَلَا تُدْخِلَنَّ فِي مَشْوِرَتِكَ بَخِيلًا يَعْدِلُ بِكَ عَنِ الْفَضْلِ وَيَعِدُكَ الْفَقْرَ ، وَلَا جَبَاناً يُضْعِفُكَ عَنِ الْأُمُورِ ، وَلَا حَرِيصاً يُزَيِّنُ لَكَ الشَّرَهَ بِالْجَوْرِ ، فَإِنَّ الْبُخْلَ وَالْجُبْنَ وَالْحِرْصَ غَرَائِزُ شَتَّى يَجْمَعُهَا سُوءُ الظِّنِّ بِاللَّهِ » « 2 » .
ويشير الإمام الصادق عليه السلام إلى أربعة شروط أخرى في المشاور كما في الرواية الشريفة
هامش
( 1 ) . وسائل الشيعة ، ج 2 ، ص 108 .
( 2 ) . نهج البلاغة ، الرسالة 53 .