المناصب من القضاء وغيرها ، ويذكر من مناقبه ما ذكره اليافعي في مرآة الجنان « 1 » أيضاً أنّ الإمام الشافعي - الذي توفّي قبل الامتحان بستّة عشر عاماً - أرسل من مصر كتابه إلى أحمد بن حنبل في بغداد ، ذكر فيها أنّ النبي صلى الله عليه و آله قال له : « اكتب إلى أبي عبداللَّه أحمد بن حنبل ، وأقرئ عليه منّي السلام و قل له : إنّك ستمتحن ، تدعى للقول بخلق القرآن فلا تجبهم ، فسترفع لك علم إلى يوم القيامة » .
قد دلّلنا القارئ على محلّ ذكر هذه المناقب وأمثالها من تأريخ بغداد و مناقب أحمد لابن الجوزي وغيرهما ، فليراجع إليها من أراد السداد ، وليجعل الحاكم فيها وجدانه الصافي ، وقلبه الخالى عمّن سواه ليرى به عين البصيرة أنّه تعالى جعل هذا الحظّ والنصيب لأحمد بن حنبل اختباراً للعباد ، « الم أحسب الناسُ أن يتركوا أن يقولوا آمنّا وهم لايفتنون » « 2 » ذلك ، لأنّ إغراء الأبالسة يمنع الناس عن القول بخلق القرآن قبل حدوث الامتحان ، قد بلغ مبلغاً لم يكد يقاومه ردع العقلاء الموحّدين لهم . لإنكار العلماء العارفين باللَّه القديم عليهم ، مع كونهم يومئذ مبرّئين من كلّ تهمة ، فكيف بها بعد حدوث الامتحان والاختبار بالقول بخلق القرآن من السلطان حيث صار هؤلاء الموحدين العارفين متّهمين في إقرارهم بخلق القرآن عند العوامّ ؟
فيحمل إقرارهم بأنّه لتحصيل التقرّب إلى الملوك ، فصار إعراض العوامّ عنهم أشدّ ، وإنكارهم لخلق القرآن آكد .
واشتهر عندهم أنّ الإنكار من أحمد بن حنبل فقط ، مع أنّه قد أنكر خلق القرآن جمع كثير من معاصريه ، وحبسوا ؛ لإنكارهم سنين متطاولة حتّى ماتوا في الحبس ، وقد قتل بعضهم لتلك ، ومع ذلك لم يشتهر أمر هؤلاء ، وكان الشهرة حظّ أحمد بن حنبل ونصيبه .
فمن الممتنعين عن القول بخلق القرآن فضل بن دكين ، أبونعيم المتوفّى سنة 219 ه . ق ، كما ذكره في تأريخ بغداد بعدة أحاديث ، « 3 » و كذا في مناقب أحمد « 4 » .
هامش
( 1 ) . انظر مرآة الجنان ، 2 : 132
( 2 ) . العنكبوت : 29 / 2 - 1
( 3 ) . انظر تأريخ بغداد ، 12 : 345 - 349
( 4 ) . مناقب أحمد بن حنبل : 532 - 533