أهل الإيمان باللَّه وبتوحيده كان عمّا سوى ذلك من عمله والقصد في شهادته أعمى وأخلا سبلًا .
ومنها : ما ذكر في كتاب آخر لبيان اشتباه هؤلاء في الأخذ باستحسانات عقولهم ، ومضاهاتهم قول النصارى : عيسى كلمة اللَّه ليس بمخلوق ، وعدم التمييز ، والفرق بين الفعل والسفه ، وعدم لياقة هؤلاء لتولية شيء من أمر الرعيّة ممّا نبيّن عظم خطره ، وجليل ما يرجع في الدين من كذا ، وكفّه وضرره ما ينال المسلمون بينهم من القول في القرآن الذي جعله اللَّه إماماً لهم ، وأثراً من رسوله بإقبالهم ، واشتباهه على كثير منهم حتّى حسن عندهم ، وتزيّن في عقولهم أن لا يكون مخلوقاً ، فتعرّضوا بذلك لدفع خلق اللَّه الذي بان به عن خلقه ، وتفرّد بجلالته من ابتداع الأشياء كلّها بحكمته ، وانشائها بقدرته ، والتقدّم عليها بأوّليّته التي لا يبلغ أُولاها ، ولا يدرك مداها ، وكان كلّ شيء دونه خلقاً من خلقه ، وحدثاً هو المحدث له ، وضاهوا بذلك قول النصارى في ادّعائهم في عيسى بن مريم أنّه ليس بمخلوق ؛ إذ كان كلمة اللَّه ؛ يعني أنّهم يقولون : القرآن كلام اللَّه ليس بمخلوق ، نظير قول النصارى في عيسى : كلمة اللَّه ليس بمخلوق - إلى قوله : - قد عظم هؤلاء الجهلة للَّهبقولهم في الذات الثلم في دينهم ، والحرج في أمانتهم ، وسهّلوا السبيل لعدوّ الإسلام ، واعترفوا بالتبديل والإلحاد على قلوبهم ، حتّى عرفوا ووصفوا خلق اللَّه ، وفعله بالصفة التي هي اللَّه وحده ، وشبّهوه به ، والأشباه أولى بخلقه ، وليس يرى أميرالمؤمنين لمن قال بهذه المقالة حظّاً في الدين ، ولا شهادة ولا صدق في القول ، ولا تولية لشيء من أمر الرعيّة .
ومنها : استدلاله على كون القرآن مخلوقاً محدثاً كما يأتي .
ومنها : أمره الأكيد إلى إسحاق بن إبراهيم بإحضاره الفقهاء ، والمحدّثين ، والقضاة ، وامتحانهم ، فمن أجابه إلى القول بأنّ القرآن مخلوق أقامه بحاله ، و من امتنع من القول أزاله عن شغله .
ثم ذكر الطبري أنّ إسحاق أحضرهم للامتحان ، وقرأ عليهم كتابة المأمون ، فأجابه جمع بالقبول وجمع أخر لم يتلفّظوا بأنّ القرآن مخلوق وإن اعترفوا بمقدّماته ، كما مرّ ، وكتب جوابات الممتنعين من القول به إلى المأمون ، فأتاه الجواب بعد تسعة أيام ، وفيه ذكر فضائح كلّ واحد منهم وتهديدات ، و من أراد التفاصيل فليراجع إلى تأريخ الطبري ، « 1 » أو عصر المأمون .
وفي مناقب أحمد حكي عن صالح بن أحمد بن حنبل : أنّه لم يمتنع في مجلس إسحاق بن إبراهيم من القول بخلق القرآن ممّن قدمهم للامتحان إلّاأربعة : محمد بن نوح المتوفّى سنة
هامش
( 1 ) . انظر : تأريخ الطبري ، 8 : 631 - 644