فليعرف من ذلك مقدار المنافرة بينهما .
أورد الطبري صورة كتابات المأمون في تأريخه ، « 1 » وأوردها عنه في كتاب عصر المأمون « 2 » ، وكلاهما مطبوعان منتشران ، ونحن نذكر بعض مطالبه ، ونحيل التمام إلى محلّه المذكور .
منها : ما ذكره في وصف المقاربين لعصره ، والذاهبين إلى قدم القرآن .
إنّ الجمهور الأعظم ، والسواد الأكبر من حشو الرعيّة ، وسفلة العامّة ممّن لا نظر له ، ولا رؤية ، ولا استدلال له بدلالة اللَّه ، وهدايته ، ولا استضاءة بنور العلم ، وبرهانه في جميع الأقطار والآفاق ، أهل جهالة باللَّه ، وعمى عنه ، وضلالة عن حقيقة دينه ، وتوحيده ، والإيمان به ، ونكوب عن واضحات أعلامه و واجب سبيله ، وقصور أن يقدروا اللَّه حقّ قدره ، ويعرفوه كنه معرفته ، ويفرّقوا بينه و بين خلقه ؛ لضعف آرائهم ، ونقص عقولهم ، وجفائهم عن التفكّر والتذكّر ، وذلك أنّهم ساووا بين اللَّه تبارك و تعالى و بين ما أنزل من القرآن ، فأطبقوا مجتمعين ، واتّفقوا غير متعاجمين على أنّه قديم أوّلي ، لم يخلقه اللَّه ، ويحدثه ، و يخترعه إلى قوله : هم الذين جادلوا بالباطل ، فدعوا إلى قولهم ، ونسبوا أنفسهم إلى السنّة ، وأظهروا أنّهم أهل الحقّ والدين والجماعة ، وأنّ من سواهم أهل الباطل والكفر والفرقة ، فاستطالوا بذلك على الناس ، وغرّوا به الجهّال ، حتّى مال قوم من أهل السمت الكاذب والتخشّع لغير اللَّه ، والتقشّف لغير الدين إلى موافقتهم عليه ، ومواطاتهم على سيّء آرائهم ؛ تزييناً بذلك عندهم ؛ وتصنّعاً للرئاسة والعدالة فيهم ، فتركوا الحقّ إلى باطلهم ، واتّخذوا من دون اللَّه وليجة إلى ضلالتهم ، فقبلت بتزكيتهم لهم وشهادتهم ، ونفذت أحكام الكتاب بهم على دغل دينهم ، و نقل أديمهم ، و فساد نيّتهم ويقينهم ، وكان ذلك غايتهم التي إليها جروا ، وإيّاها طلبوا في متابعتهم ، والكذب على مولاهم - إلى قوله : - أولئك شرّ الأمّة ، ورؤوس الضلالة ، المنقوصون من التوحيد حظّاً ، والمخسوسون من الإيمان نصيباً ، وأوعية الجهالة ، وأعلام الكذب ، ولسان إبليس الناطق في أوليائه ، والهائل على أعدائه من أهل دين اللَّه ، وأحقّ من بهم في صدقه ، وتطرح شهادته ، ولا يوثق بقوله ولا عمله . فإنّه لا عمل إلّابعد يقين ، ولا يقين إلّابعد استكمال حقيقة الإسلام ، وإخلاص التوحيد ، و من عمى عن رشده وحظّه من
هامش
( 1 ) . تأريخ الطبري ، 8 : 631 - 634
( 2 ) . انظر : عصر المأمون ، 1 : 394