القرآن ، لكنّه كان يخاف من مخالفة يزيد بن هارون السلمي نزيل واسط ، والمتوفّي 206 ه ق ، فقالوا له : « أتخاف من مثله ؟ » فقال : « أخاف من أن لا يوافقني هو في هذا القول فأكون أنا سبب وقوع الخلاف بين الامّة » . كما ذكر تفاصيل ذلك في مناقب أحمد . « 1 » فكان المأمون ينتظر الفرصة لإبراز معتقده إلى أن رأي شدّة مطاوعة العامّة للقول بقدم القرآن ، وهو الكفر الصريح عنده ، ورأى أنّهم لا يرتدعون عنه إلّابالقوّة القاهرة ، فرجح عنده تحصيل اتّفاق الفقهاء ، والقرّاء ، والقضاة ، والمحدّثين معه في القول بخلق القرآن حتّى يعاونوه في ردع عوامّ الناس والجهّال عن اعتقاد الكفر ، والشرك ، وكان ذلك في آخر خلافته ، واستصوبه أفاضل المعتزلة في رأيه ، وفي التوسّل إلى تحصيل الوفاق ولو ببعض أنحاء الوعد ، والوعيد والإنذار والتخويف ، فكتب في ربيع الأوّل سنة 218 ه . ق ، وهي السنة الأخيرة من عمره . فإنّه مات في رجب من تلك السنة ، وكان يومئذ بالرقّة فكتب إلى عمّاله في البلاد .
ومنها : ما كتبه إلى عامله في بغداد إسحاق بن إبراهيم الخزاعي الذي استعمله على بغداد من سنة 206 ه . ق ، وقد أدرج صورة الكتاب بعينه في تأريخ الطبري « 2 » وهو كتاب مختصر أدبي ، تأريخي ، كلامي ، كالمرآة الصغيرة نطّلع منها على كمالات المأمون العلميّة ، والدينيّة والسياسيّة ، ونطالع فيها تواريخ المقاربين لعصره الذين أبدعوا القول بقدم القرآن ، وأحوالهم ، وأوصافهم ، وفضائحهم من تقرير هذا الرجل العالم السياسي الخبير بأحوال هؤلاء في أصلهم ، ونسبهم ، والمطّلع على غوامض أسرارهم ، فنعدّ كتابه هذا من أنفس ما كتب في تواريخ هؤلاء ، ولايمنعنا الاعتماد على ما ذكره من التواريخ كونه من المعتزلة ، كما منع اعتزاله ابن الجوزي المذكور ، فلم يذكره في مناقب أحمد أبداً . حتّى أنّه كتب مائة صفحة في ذكر قضايا الامتحان ، و لم يذكر شيئاً ممّا كتبه المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم المشتمل على فضائح القوم ، وإبطال القول بقدم القرآن ، وذلك لما ذكرناه من أنّ أصول المعتزلة أقرب إلى الحقّ والواقع من الأشاعرة ، وعقائدهم أصحّ من عقائد غيرهم ، مع أنّ أحداً من علماء عصر المأمون الذين تليت عليهم كتبه مراراً ، و كذا من بعده ، لم ينكروا شيئاً من مقالاته ، و لم يتمكّنوا من إبطالها ، إنّما غاية ما كان يقوله أحمد بن حنبل : إنّه لم يرد في الكتاب والسنّة أنّ من وظائف دين الإسلام الإقرار بأنّ القرآن مخلوق ، فكان يقول للمعتصم : « يا أمير المؤمنين ! أعطني شيئاً من كتاب اللَّه عزّ وجل ، أو سنّة
هامش
( 1 ) . انظر : مناقب أحمد : 416 - 462
( 2 ) . تأريخ الطبري ، 8 : 631 - 634